لم تتشكل المكانة الجيوسياسية والإنسانية للجزائر في محيطها الإقليمي والدولي من فراغ، بل هي نتاج تراكم تاريخي عريق صاغ معالم “دبلوماسية الإغاثة” والعقيدة العسكرية للأمة الجزائرية. إن القراءة التحليليّة لعمق السياسة الخارجية للجزائر في الوقت الراهن توضح أن مد يد العون للمستضعفين ونصرة قضايا الحق ليست مناورات سياسية عابرة، بل هي سلوك سيادي ثابت تمتد بذوره من بطولات الأسطول البحري الجزائري في العصور الوسطى والحديثة، وصولاً إلى التحركات الميدانية للجيش الوطني الشعبي في حاضِرنا المعاصر.
يقودنا التتبع التاريخي لوزن الجزائر البحري إلى محطات فارقة تؤكد أن قوة الأمة كانت دوماً مسخّرة لإعادة التوازن الأمني في المنطقة؛ ويمتد تاريخ الدعم الجزائري إلى العمق الأوروبي، حيث شكلت الجزائر في العصر الحديث مركز ثقل اقتصادي وعسكري فارقاً؛ فخلال سنوات المجاعة والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تلت الثورة الفرنسية عام 1789، استنجدت فرنسا بالجزائر لتأمين احتياجاتها الغذائية، واعتمدت بشكل أساسي على شحنات القمح والحبوب الجزائرية التي قُدّمت بتسهيلات وقروض ممتدة لسد رمق الشعب الفرنسي.
ولم يقتصر هذا الدور على البعد الإنساني والاقتصادي فحسب، بل تعداه إلى حماية التوازنات الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط؛ حيث أمنت القوة البحرية للأسطول الجزائري—بالتنسيق مع الدولة العثمانية—الموانئ وخطوط التجارة الفرنسية، وشكلت درعاً حاسماً لحمايتها من هجمات الضغط البحري التي قادتها القوى المنافسة كالإنجليز والهولنديين. وتؤكد هذه المحطات التاريخية أن الجزائر كانت دوماً قوة سيادية يُلجأ إليها لإغاثة الشعوب وصون الاستقرار الإقليمي.
وفي التجربة الأندلسية، تشكلت إحدى أكبر الملاحم الإنسانية عندما تحولت القطع البحرية الجزائرية إلى جسر أمان ينقل الفارين بدينهم وأرواحهم من بطش محاكم التفتيش، لتفتح الجزائر أرضها ومجتمعها حاضنةً حضارية لأولئك المهجرين، مما أرسى مفهوم الإغاثة الشاملة قبل ظهور المعاهدات الدولية الحديثة بقرون.
و على ضوء هذا الموروث، يتجلى الفهم العميق للرؤية الأمنية للجزائر اليوم؛ فالعقيدة العسكرية للجيش الوطني الشعبي لا تنفصل عن هذا الأرشيف النضالي. وتتأسس هذه العقيدة على ثنائية متوازنة: حماية التراب الوطني وتأمين الحدود الممتدة ضد التهديدات المعقدة من جهة، والالتزام الأخلاقي بتأمين الجوار الإقليمي وعدم إدارة الظهر للشعوب المستضعفة من جهة أخرى. إن الاستجابات الميدانية للجيش الجزائري—من خلال تسيير الجسور الجوية بنقل المساعدات والاحتياجات الأساسية عبر الطائرات العسكرية إلى الأشقاء في دولة النيجر ودول الساحل— و مؤخرا وضع القوة لجوية كصّمام أمان لحماية النيجر من عدم استقرار أمني تفرضه القوى الظلامية ذاات المضي الإستعمري ما هو إلا تجسيد لهذا المبدأ بشكل عملي ومباشر.