ما قل ودل

بين إتاوة 1795 وقانون “كاتسا”…تحولات الهيمنة وثبات العقيدة السياسية بين الجزائر وواشنطن

نص معاهدة السلام والصداقة عام 1795

شارك المقال

​يكشف الاستقراء التاريخي للعلاقات الجزائرية الأمريكية عن تجربة استثنائية تختزل تحولات موازين القوى في النظام الدولي عبر أكثر من قرنين من الزمن.

ففي أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً مع توقيع معاهدة السلام والصداقة عام 1795، وجدت النواة الأولى للدولة الأمريكية الحديثة نفسها تتجرع مرارة الواقعية السياسية عبر الخضوع لشروط للجزائر والدفع المباشر للضريبة والإتاوات لحماية سفنها التجارية في البحر الأبيض المتوسط. تلك الحقبة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل كانت السبب المباشر الذي دفع الكونغرس الأمريكي لتأسيس سلاح البحرية الإمبراطوري الحالي للتحرر من السطوة البحرية الجزائرية.

​اليوم، وبعد أكثر من مائتي عام، انقلبت أدوار القوة العسكرية والاقتصادية؛ إذ أضحت الولايات المتحدة القوة العظمى التي تسعى لفرض أدواتها التشريعية عابرة الحدود، مثل قانون مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات “كاتسا” الصادر عام 2017، لإملاء الخيارات التسليحية والسياسية على دول العالم وتطويق صفقاتها الدفاعية مع خصوم واشنطن.

​غير أن تقاطع هذا القانون الحديث مع الواقع الجزائري يرتطم بصلابة الذاكرة التاريخية والعقيدة السياسية المتمسكة بسيادة القرار الوطني. إن استحضار محطة 1795 ليس مجرد حنين لسنوات الهيمنة البحرية، بل هو مؤشر على جينات الدولة الجزائرية التي تبني عقيدتها على رفض الامتثال للمحاور أو الرضوخ للضغوط الإقليمية والدولية.

وفي وقت تستخدم فيه واشنطن نفوذ الدولار والتشريعات الاقتصادية للضغط، تعتمد الجزائر على التوازن الجيوسياسي، والأهمية الإستراتيجية لموقعها كصمام أمان للأمن الإقليمي ومورد حيوي للطاقة، لتجنيب أمنها القومي تداعيات هذه العقوبات.

إن المقارنة بين المحطتين تؤكد حقيقة ممتدة عبر التاريخ تتغير أدوات السيطرة والردع من المدافع والسفن إلى العقوبات المالية والتشريعات، لكن ثبات سيادة الدول تقاس دائماً بقدرتها على الصمود أمام موازين القوى المتغيرة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram