ما قل ودل

سقوط الأقنعة وطلاق العواطف…كيف أعادت الجزائر رسم قواعد اللعبة مع باريس والرباط؟

شارك المقال

​لم تكن التحولات الخارجية الجزائرية في السنوات الأخيرة وليدة انفعال طارئ أو مناورة سياسية، بل جاءت نتاج قراءة واقعية متأخرة لمسار حافل بالصدمات الشديدة ومحاولات الاستهداف المباشر لأمن البلاد وسيادتها. لقد أغلقت الجزائر ملف “العواطف الإقليمية” والشراكات المبنية على نوايا حسنة، ليحل محلها منهج الندية المطلقة والالتفاف الشعبي الكامل حول السيادة الوطنية.

تضرب الخيبة الجزائرية مع الجار المغربي جذورها في التاريخ؛ فمنذ حرب الرمال عام 1963 التي شُنت على الجزائر أوائل عهد الاستقلال مباشرة رغم مساعدات الجزائر ونواياها في فتح صفحة إخاء، تواصلت التجاوزات التي أثرت عميقاً في الوجدان.

لقد انتقلت العدائية من خلافات سياسية إلى تهديد مباشر للمجتمع الجزائري؛ عبر تسهيل الاختراق الاستخباري، وإيواء حركات انفصالية وتكتلات مصنفة إرهابياً تتلقى الدعم لإثارة الفتنة وتفكيك الجبهة الداخلية، وصولاً إلى فرض التأشيرات لحماية البلاد من شبكات الجريمة وتدفق السموم والمخدرات، والتحالف مع قوى أجنبية ومعادية على الحدود الغربية للجزائر في محاولة لتطويق البلاد.

​أما في الملف الفرنسي، فتظل العلاقات محكومة بذاكرة ثقيلة من جرائم الاستعمار والممارسات السياسية الراهنة التي أكدت استمرار النظرة الفوقية. فعلى الرغم من المساعي الجزائرية لنيل اعتراف كامل بالجرائم الاستعمارية وتعديات التجارب النووية، واصلت فرنسا التهرب من تسليم الأرشيف والاعتراف بالمسؤولية التاريخية.

وجاء القرار الفرنسي الأخير بالاعتراف بالمخطط المغربي في الصحراء الغربية بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، متجاوزاً الشرعية الدولية، فضلاً عن مواصلة باريس إيواء المطلوبين وقيادات التخريب والفارين من العدالة الجزائرية، وتوفير المنصات لحملات الشيطنة ضد الدولة التي اكتوت بنار الإرهاب وحاربته لوحدها.

وأمام هذه التحديات الإقليمية والدولية المركبة، لم تجد المخططات الخارجية سوى جدار صلب تمثل في الوعي الشعبي التلقائي والتلاحم التام مع المؤسسات.

لقد أظهر الشارع الجزائري وعياً استثنائياً أثبت أن قوميتنا هي الجزائر وعقيدتنا هي الجزائر، حيث تذوب كل الفوارق بمجرد المساس بالسيادة أو كرامة الشهداء.

لقد أغلقت الجزائر المجال الجوي والبري، وقطعت العلاقات وسحبت سفرائها، مؤكدة أن كرامة الجزائري ليست ورقة للتفاوض، وأن الجزائر قوة إقليمية مستقلة لا تخضع للإملاءات، فالاحترام يُقابل بالاحترام، والغدر يواجهه الحزم والقطيعة التامة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram