في حين يجتهد الأحرار لتحرير الأراضي المحتلة من قبل غيرهم خصوصا و أننا تجاوزنا عصور الإستعمار و قرون الظلام,لا تزال أراضي سبتة و مليلية المغربيتين يكبس على رقبة أهلها أحفاد محاكم التفتيش الإسبان الذين سيطروا عليها و لا يزالون قبل سقوط غرناطة سنة 1492.
و بدل أن يجتهد أزلام نظام المخزن في إيجاد حل سلمي أو غير ذلك لاسترداد ما سلب من أجدادهم بعد مفاوضات العار التي بإمكان القارئ الرجوع إلى تفاصيلها في الصفحات المظلمة لتاريخ المغرب الحديث,هاهو نظام القصر بعد احتلاله الصخراء الغربية ظلما و استبدادا و استقوائه على الضعفاء المقهورين يطبق مقولة “شكون مغلوبتي خيرة أختي” يحاول السطو حتى الموروث اللامادي لغيره.
و لم يعد فن الإستحواذ على خيرات الغير يستهوي المغاربة فقط في الرقع الأرضية بل تطور هذا الفن و امتد نحو سرقة الإبداعات و أصناف و أنواع الفنون,فبعد جعجعة الطحين التي أراد أزلام المخزن من خلالها نسب فن “الزليج” إلى تراثهم و بعد مواجهتهم بالدليل القاطع أن ذات الفن كانت بداياته مع الحمّاديين و انتقل بعد تزاوج ما بين الزيريين و النصريين في غرناطة إلى الأندلس كما تثبت ذلك الروايات المروية و المكتوبة.
هاهو المغرب مجددا يخسر ثاني جولة له هاته المرة على أعتاب منظمة اليوينيسكو حول أصول فن الراي,الذي اكتسح العالمية و يبدو أنه هذه المرة يكون المغاربة قد دخلوا حلبة أسقطوا في أرجائها بالضربة الفنية القاضية من خلال الدلائل و القرائن التي قدمتها الجزائر لذات المنظمة العالمية.
ففن الراي لا يتم اختزاله في شخص الشاب خالد أو مامي أو الزهوانية و حتى الشيخة الريميتي فقصته مقترنة بتاريخ النضال الجزائري ضد المستعمر,فمن خلاله استطاع شيوخ الملحون زمان الوصل أن يتغنوا بأبيات شعرية مبّطنة كان الغرض من خلالها تقوية حّس الوطنية لدى الشبّان و زرع روح الحماسة في استرداد ما تم سلبه من الأرض.
فأغنية “صحاب البارود و الكارابيلا” ليست هي التي يرقص عليها الجميع في الأعراس,فلقد تم تحويرها فبادئ الأمر عنى قائلها بأن الحرية لن تؤخذ مثلما قال الأمير عبد القادر سوى بالبارود في إشارة إلى الكفاح المسلح,و أراد ناظم القصيدة إخفاء المعنى بكلمات مبّطنة فتحولت الثورة إلى “الطاكسي خالصة” و “جاية من باريس لا باسبور لا دوفيس” يعني أن فرنسا جاءت من بلد آخر و نخرت هويتنا و استغلت خيراتنا.
فالمغزى من خلال فن الراي هو التأريخ لفترة زمنية لم يعايشها أجداد أزلام نظام المخزن,أين كان الغرض من نظم القصائد هو لأجل التخلص من نير الإستعباد و الاستعمار الذي عايشه أجدادنا و هم يرون خيرات بلادهم تشحن تحت أعينهم نحو أوروبا أيام كانت الجزائر تكّنى بمطمورة أوروبا “l’algérie le grenier de l’europe”.
و نزيد أزلام المخزن من خلال مقالنا هذا أيضا أن أغنية “قولوا لأمي ما تبكيش” هي قصة معاناة كتبها شاعر مجهول الهوية,تم نفيه قهرا و ظلما من قبل سلطات فرنسا الإستعمارية نحو كاليدونيا أرض المنفى “أين لا فراش لا غطا” كما قيل في ذلك العهد,و تغّنى المعني بالترحيل بشوقه لأمه التي بكته بدل الدموع دما,و كيف تمت محاكمته ظلما و جورا و عدوانا ليشحن شأنه شأن البضائع نحو المجهول مثلما بقيت قصيدته لحد الآن مبنية على المجهول و صالحة لكل مكان و زمان.
و لعل “قصيدة الطيارة الصفرا” و كذا “الواد الشولي” قبل أن نرقص على أنغامها يجب الغوص في ثناياها و الوقوف وقفة إجلال لنضحيات الشهداء الأبرار التي كانت تنقنبلهم “الطيارة الصفراء” بلا هوادة بمختلف العبوات لعل أبرزها “النابالم” المحرم دوليا و كذا الفوسفور,أما معركة “الواد الشولي” الواقعة في ضواحي مدينة تلمسان فتؤرخ لمعركة استشهد من خلالها المئات احتموا بواد الشولي و هنا ضرب الجزائريةن أسمى صور البطولة و الإستبسال في الدفاع عن الأرض التي تم استرجاعها بالكامل و ليس باستقلال صوري مزيف.
أما الحديث عن قصص العشق و الحب و الغرام فاخذت هي الأخرى نصيبها في فن الراي فمن رائعة “بختة” التي تحكي الغزل العفيف للشيخ “الخالدي” إلى “الشيخ حمادة” الذي تغزل هو الآخر ب”الزين الرومي,ناهيك عن الشيخ “مصطفى بن براهيم” الذي ذاع صيته هو الآخر في ميدان الهوى و الغرام .
لكن الذي يحسب على هؤلاء بالإضافة إلى الشيخ “عبد المولى العباسي” و الشيخ “الجيلالي عين تادلس” و “الشيخة الريميتي” أنهم كلهم أخلطوا قصائد العشق و الهوى بحبهم لرائعتهم الجزائر فليحيى فن “الراي” الذي يؤّرخ لفترة زمنية من تاريخ بلد الشهداء و لا عزاء لمن لم يجد تاريخ يحتذى به.