الجزء الثالث و الأخير
رافق موجة الهجرة الصهيونية الأولى إلى فلسطين، بروز المفكر الصهيوني ثيودور هرتزل Theodor Herzl(1860- 1904م)، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للمنظمة الصهيونية العالمية، وقد قام هرتزل بنشر أفكاره في كتاب باللغة الألمانية بعنوان “الدولة اليهودية” Der Judenstaat عام 1896م.
ودعا فيه إلى إقامة دولة يهودية، ومن المفضّل أن تكون فلسطين التي قال عنها “أنها وطن اليهود التاريخي الذي لا يمكن أن ينسى، ويكفي أن سحر هذا الإسم سيجلب اليهود إليها”.
ومن أجل ذلك قام هرتزل بتقديم مشروع استيطاني يعتمد في تنفيذه على إنشاء شركة يهودية ذات امتياز، وكان متأثراً بتجربة شركة الهند الشرقية في استيطانها الاستعماري للهند، وكان هدفه من وراء ذلك استقطاب رجال المال اليهود للمساهمة في إنشاء هذه الشركة، ودعا إلى الإعتماد على فقراء اليهود الذين سيضعون الأسس الضرورية لإقامة هذا المجتمع الجديد.
كما دعا إلى عقد مؤتمر صهيوني عالمي كان يهدف من ورائه إلى تجميع جهود الحركات الصهيونية المختلفة، وجهود اليهود في استيطان فلسطين، وقد عقد هذا المؤتمر في مدينة بال السويسرية ما بين 29- 31 أوت 1897م، وحضره أكثر من مائتي يهودي. وخرج هذا المؤتمر بقرارات هامة عرفت “ببرنامج بال” وتلخصت فيما يلي:-
-العمل على تطوير الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وتنظيم اليهود وربطهم جميعاً عبر مؤسسات مناسبة على الصعيد المحلي والعالمي، وتقوية الحسّ والوعي القومي لدى اليهود، ومن أجل ذلك يجب اتخاذ خطوات تمهيدية من أجل الحصول على موافقة حكومية لتحقيق أهداف الصهيونية.
وبعد أن أنشئت أول أدوات عملية الاستيطان في مؤتمر بال وهي المنظمة الصهيونية العالمية، بدأت تتشكل أجهزة الاستيطان الأخرى حيث أنشأ عام 1899م “صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار” Jewish Colonial Trust الذي كان الهدف الأساسي من إنشائه دعم المستوطنات اليهودية في فلسطين.
وقد سجّل في لندن كشركة مساهمة محدودة، وأقيم في عام 1903م بنك فرعي لهذا الصندوق في فلسطين عرف باسم “البنك البريطاني الفلسطيني Anglo-Palestine Bank”،وما أقيم في عام 1901م الصندوق القومي اليهودي “ألكيرن كايمت” Keren Kayemeth وكان الهدف من إنشائه هو تجذير الاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال شراء أراض في فلسطين تكون ملكاً لليهود لا يمكن بيعها.
ومع إنشاء هذه المؤسسات الإستيطانية، ومع الهجرة اليهودية الثانية لفلسطين التي امتدت ما بين عامي 1904- 1914م، بدأ الانتقال من مرحلة الاستيطان التأسيس إلى مرحلة الاستيطان المنظم، حيث شرعت هذه المؤسسات من تكثيف عملية شراء الأراضي في فلسطين لإقامة مستعمرات عليها.
كما تميّزت هذه المرحلة بسعي مستوطني هذه الهجرة لتحقيق أهداف ثلاث وهي أرض عبرية، وعمل عبري، ولغة عبرية. وأنشئت في هذه الفترة أيضاً أولى الأحزاب الصهيونية في فلسطين حيث أنشىء عام 1905م حزب “هابوعيل هاتسعير” Ha-Poel Ha Azair ومن أهم مبادئه تحقيق الصهيونية على “أرض إسرائيل” Eretz Israel من خلال الاستيطان الصهيوني، واحتلال العمل من قبل العامل اليهودي.
وفي العام نفسه أنشىء أيضاً حزب “بوعالي تسيون” Poalei Zion الذي كان من أهم زعمائه ديفيد بن غوريونDavid Ben Gurion (1886- 1973م)، ومن أهم أهدافه الأساسية إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وتحقيق الاستقلال السياسي للشعب اليهودي والعمل على تحقيق أهداف هذه المرحلة.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني إثر إصدارها لوعد بلفور عام 1917م الذي يعطي الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، دخل الفكر الاستيطاني الصهيوني مرحلة جديدة، تمثلت بالغزو الاستيطاني الرسمي لفلسطين، وبتشجيع وحماية سلطات الانتداب.
و شرعت الحركة الصهيونية بنشاط مكثف على الصعيد الدولي والمحلي لإخراج وعد بلفور إلى حيّز التنفيذ، الذي قال فيه بن غوريون “إنّ وعد بلفور سيظل قصاصات من الورق ما لم نعمل نحن على استحضار اليهود إلى فلسطين وتهيئة الأرض للإستيطان على مدى واسع أمّا وايزمن فقال “ليس وعد بلفور سوى إطار وهذا الإطار يجب أن نملأه بجهودنا”
وشرعت الصهيونية على الصعيد الدولي بجملة جهود مكثفة من أجل الحصول على وضع دولي وحقوقي للاستيطان الصهيوني لفلسطين في سبيل إنشاء وطن قومي لهم فيها
أمّا على الصعيد المحلي فقد نشطت المؤسسات الصهيونية القائمة في عملية تطوير الاستيطان القائم، وإقامة مستوطنات جديدة من خلال عملية السيطرة على الأرض وشراء أراض جديدة.
وقد نشأ أيضاً العديد من المؤسسات الصهيونية في هذه الفترة لخدمة هذا الهدف ومنها الاتحاد العام للعمال اليهود في فلسطين “الهستدروت” Ha-Hestadrot تأسس عام 1920م، الذي لعب دوراً رئيساً في عملية الاستيطان الصهيوني وبناء دولة إسرائيل حيث قال بن غوريون “بدون هذا الاتحاد أشك في أننا كنّا سنحصل على دولة”.
وأنشىء أيضاً عام 1921م الصندوق التأسيسي لفلسطين “الكيرن هايسود” KerenHayesod لينشط في مجال الهجرة والاستيطان من أجل تنفيذ وعد بلفور.
وأنشئت أيضاً الوكالة اليهودية The Jewish Agency لفلسطين عام 1922م بناءً على المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني، التي وسعت عام 1929م لتلعب دوراً رئيساً في الهجرة اليهودية لفلسطين، وامتلاك الأراضي والاستيطان عليها.
وقد لعبت هذه المؤسسات بالتنسيق مع التنظيمات الصهيونية المسلحة مثل الهاغاناه، وإتسل، وليحي دوراً رئيساً في الاستيطان الصهيوني لفلسطين وتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الشرعيين بلوغاً إلى تحقيق هدف هذا الاستيطان في إقامة الدولة اليهودية على الأراضي الفلسطينية عام 1948م.
إنتهى
الجمعيات اليهودية كان لها دور كبير في تأسيس الكيان الصهيوني -ج3-