ما قل ودل

عاش و مات صاحب قضية اختزلها في عشقه للجزائر…جبل هيدور يتوق لاحتضان الأمير عبد القادر

تمثال الأمير عبد القادر يزّين الشارع الرئيسي في مدينة مكسيكو

شارك المقال

لم يعد سّرا بأن الأمم تزهو بعلمائها و فضلائها و أبطالها إما شعرا أو نثرا,حيث تخّلد ذكراهم من خلال مآثرهم و مناقبهم و أفضالهم من قبل أفراد الشعب الذين عاشوا بين أحضانه,لتبقى الذكرى يتقّفاها بقية النسل لمواصلة الرسالة التي دأب على كتابة أوائل حروفها الرجال الخالدون في التاريخ.

فنجد بعض الشعوب إن لم تجد بطلا من ماضيها القريب أضحت تخترع لها بطلا و تمشي على آثاره,مثلما يفعل الصهاينة الذين أعطوا ل”تيوديور هيرتزل” مرتبة التقديس نظير تفكيره في جمعهم في بوثقة واحدة ألا و هي فلسطين.

و لقد تبّصرت مليا قبل استساغة هذه المقدمة فيما يجري من رفض البعض لإقامة تمثال عملاق للأمير عبد القادر الجزائري,الذي بلغت ذكراه حتى الأمريكيتين أين لا يخفى للجميع بأن أمريكا خلّدت إنجازات الرجل ببلدة أطلقت عليها إسم “القادر”,و أيضا فنيزويلا مثلما هو الشأن لبوليفيبا و المكسيك الذين يعتبرون مشوار هذا الفحل الجزائري تراثا إنسانيا.

إذا فلماذا نجد هذا الرفض لدى بني جلدتنا؟…أفما زال عبد القادر يثير غيرة البعض من إنجازاته حتى و هو تحت الثرى,حقا فإذا كانت ذكراه تؤّرق مضجع البعض,فبحق يبدو أن هذا الرجل الحّر قد أوجع من خلال فكره و عقيدته الوطنية,و لا يزال يوجع مثلما يمليه الظاهر الآني.

فمثلما قلت في بداية المقال إن الأمم باتت تؤمن بفكرة و لو كانت مغلوطة و خاظئة و تريد فرضها على الكل,فهاهم الأمريكان و نظرا لشّح الأبطال التاريخيين في هذا البلد قاموا بتحويل هدية الفرنسيين لهم و آثروا جعل تمثال الحرية سيدا عليهم,لكي يقال بأن هذا البلد هو بلد الحريات,حيث لم يستطيعوا إخراج من بين ثنايا تاريخهم القصير رجلا يمّثل أمتهم فلا “pelegrims fathers” أفادوهم,و لا حتى “إبراهام لينكولن” شفع لهم و هو الذي اغتالته يد الغدر بعد إنهائه نظام العبودية.

فعبد القادر “إبن منطقة القيطنة” يبدو أن العديد من شبابنا بات يجهل ذكراه ما دامت صفحات كتب التاريخ يقرأها فقط أصحاب الإختصاص لا غير,لذا بات لزاما تخليد ذكرى الرجل الذي حتما عندما سينصب له التمثال سوف يعاد التأريخ لإبن محي الدين الذي حارب فرنسا و هزم في طريق معركة التحرير 120 جنرالا و أعاد ترتيب السياسة الفرنسية مطيحا بعدة حكومات أفلحت إحداها في كبح جماحه بفضل تآمر القريب و البعيد عليه و الذين لفظ التاريخ ذكراهم و أضحوا نسيا منسيا.

و الرجل لم يكن فقط قائدا مغوارا بل كان سياسيا محنكا,و فيلسوفا كبيرا و شاعرا مغوارا و صوفيا كذلك,و عاش و مات صاحب قضية التي اختزلها في حبه لوطنه الجزائر,و كان إنسانا فاضلا تغّنى بمآثره الأدباء و الشعراء و أحبته عموم الشعوب في أذنى الأرض و أقصاها.

فوجب إذا احترام و تبجيل ذكرى الرجل الذي حينما كان أسلاف البعض ممن يبغضونه لحد الآن يتآمرون في السّر عليه و على دولته الفتية ببيع الذمم لفرنسا,آثر هو حربها و رفض امتيازاتها و فضّل السجن و النفي على أن يبيع قضية بلاده للإستعمار البغيض.

فمثلما أردفت في مقدمة المقال فإن إسبانيا عندما نقّبت في تاريخها لم تجد أشخاص تتبّرك بذكراهم فراحت تفتش في الفترة العربية الزاهية ففضلت إقامة التماثيل لعبد الرحمن الذاخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس و الحاجب المنصور و خيران العامري و ابن طفيل و ابن رشد و موسى ابن أبي غسّان,بينما تغاضت عن تبجيل أبو عبد الله الصغير الذي سّلم مفاتيح غرناطة و أمضى على وفاة حضارة الأندلس,و آثرت نفيه للمغرب الذي احتضنه و كتم آخر أنفاسه,فشّتان بين الثرى و الثرية.

للتذكير و إنصافا لذكرى عبد القادر إبن محي الدين,فإن العديد من دول أمريكا اللاتينية المخلصة و الصديقة خصّصت شوارعا و ساحات و تماثيل للأمير كونها دول تعادي الإمبريالية و الإستعمارات,و عرفت ثورات شعبية مباركة و تكّن للجزائر اخلاصا و احتراما شعبيا و حكوميا,و تدّرس ثوراتنا في مقرراتهم الدراسية فلا تستعجبوا ان كان شابا من فنزويلا أو المكسيك أو كوبا يعرف تاريخ الجزائر أكثر من بعض الجزائريين أنفسهم…و لا يزال للحديث بقية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram