أثار الكاتب و الروائي كمال داود اللغط مجّددا عندما أجاب بعد سؤاله من قبل صحفي “فرانس إنتير” عن ما إذا كانت فرنسا تمشي بمنطق الديكتاتورية موازاة مع ما يعانيه الشعب الفرنسي من قمع بوليسي المسّلط عليه بأوامر فوقية من قصر “الإيليزيه”خلال التظاهرات الأخيرة,فأجاب بلغة الواثق و بلا ترّدد بأن ذات المصطلح غريب على فرنسا و يجب أن ينسب إلى الجزائر أو إيران أو حتى مصر.
و يبدو أنه حتى الفرنسيين الذين باتوا يناضلون لأجل القضاء على السياسة الإستبدادية الماكرونية استغربوا لتصريحات هذا المدّعي,الذي بات يمارس العهر الإعلامي ضد بلده الأصلي و يتوّدد للفرنسيين بثوب “حركى” زمان في هذا العالم الفتّان.
فكمال داود يبدو أنه نسي أفضال الجزائر عليه التي رعته طفلا و سمحت له بالتعليم المجاني,حتى شّب و صار رجلا و بات يعّض اليد التي أطعمته,وهذه ليست هي المرة الأولى التي يأكل كمال داود لحم بلاده نيئا,و يبدو أن عيون كمال داود باتت تبصر على النقيض ما يبصره الأوروبيون أنفسهم,الذين باتوا يتدّمرون من سياسات بلدانهم و راح رغم تلك الإنتقادات يلّمع صورة من ارتضى أن يكونوا أسيادا له بلا منازع.
و أنا أقرأ بالمناسبة التصريحات المقّززة لمن تخّرج منذ سنوات من الجامعة الجزائرية -الذي إن نسي ذلك ذكرناه بذلك- تبادر إلى ذهني تلك اللقطة التي ركّز عليها المخرج “مصطفى العقاد” في فيلم عمر المختار عندما جاءه صديق طفولته “الشارف الغرياني” مفاوضا باسم الإيطاليين,فقال له عندها الشهيد البطل “عمر المختار” بأنه رغم أنهما تربيا في ظروف مشابهة لكن الزمن و المبادئ جعلت أحدهما يتيه دفاعا عن أرضه في الجبال و الصحاري,بينما آثر الغرياني التوّدد للإيطاليين.
و قصدت من خلال ذات المفارقة التي حدثث ما بين “عمر المختار” و “الشارف الغرياني” إسقاط هاته الواقعة على الحالة “الشيزوفرينية” المزرية التي يعاني منها كمال داود,خصوصا و أنا أتأمل الحّس الوطني الذي تمتع به فرنسيون أقحاح “francais de souche” من أمثال “فيرناند إيفتون” و “موريس أودان” و “فرانس فنون” و “هنري مايو” و غيرهم كثيرون ممن اعتنقوا حتى الدين الإسلامي الحنيف و دافعوا عن الجزائر باستبسال قّل نظيره من أمثال الطبيب البرلماني “فيليب غرينييه” الذي نّدد بمعاملة حكومة بلاده الظالمة للمسلمين الجزائريين وكان يعالج الفقراء مجانًا وينّدد علناً بالظلم الاجتماعي شأنه شأن “روجييه جارودي” أيضا.
و أنا أسوق من خلال هذه الأمثلة المفارقات العجيبة بين من من المفروض أنه إبن البلد “كمال داود” و الأسماء اللامعة التي لا تزال رغم رحيلها تلقى احترام الجزائريين فما يسعني إلا قول المثل الشعبي المتداول عندنا “واش جاب الصوف للزرب”…و لا يزال للحديث بقية بطبيعة الحال.