تُعَدّ الجزائر أحد أبرز الفاعلين في مسار الاندماج الإفريقي، حيث يجمع حضورها بين الإرث النضالي التاريخي والرؤية الاستراتيجية المستقبلية. فمنذ الاستقلال سنة 1962، ارتبطت السياسة الخارجية الجزائرية بمبادئ دعم حركات التحرر والوحدة القارية، لتتحول تدريجيا إلى قوة دبلوماسية واقتصادية تسعى إلى بناء فضاء إفريقي موحد وقادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. ويبرز هذا الالتزام بوضوح من خلال احتضان الجزائر للطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية (4 – 10 سبتمبر)، باعتباره محطة تؤكد انخراطها المتجدد في تعزيز التعاون القاري.
البعد التاريخي والدبلوماسي
لعبت الجزائر دورا مؤثرا في نشأة منظمة الوحدة الإفريقية، إذ دعمت حركات التحرر واحتضنت العديد من قادتها، مستلهمة من تجربتها الثورية ضد الاستعمار الفرنسي. هذا الإرث النضالي منحها شرعية سياسية جعلتها صوتا للقارة في المحافل الدولية، خاصة في ما يتعلق بالدفاع عن سيادتها، والدعوة إلى إصلاح المنظومة الدولية بما يخدم مصالح الجنوب العالمي.
كما ارتكزت المقاربة الجزائرية على مبادئ أساسية: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، حق الشعوب في تقرير مصيرها، واعتماد الحوار الشامل كآلية لتسوية النزاعات. وهو ما انعكس في مبادرات الوساطة التي قامت بها الجزائر في أزمات الساحل، مالي، وليبيا.
الرؤية الاستراتيجية في ظل التحديات الراهنة
تتبنى الجزائر تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون رؤية شاملة للاندماج الإفريقي تقوم على:
-
التضامن الفاعل: دعم متبادل بين الدول الإفريقية لمواجهة التحديات المشتركة كالإرهاب والتغير المناخي والأزمات الاقتصادية.
-
التكامل الاقتصادي: إطلاق ديناميكية جديدة للنمو ترتكز على استغلال القدرات الداخلية للقارة، خاصة عبر التجارة البينية الإفريقية.
-
التموقع الدولي: تعزيز حضور إفريقيا ككتلة فاعلة في النظام العالمي الجديد، بما يرسخ السيادة القارية ويقلل من التبعية الخارجية.
المشاريع الهيكلية الكبرى
تعكس المشاريع الاستراتيجية التي تقودها الجزائر إرادة ملموسة لتعزيز الاندماج الإفريقي، ومن أبرزها:
-
البنية التحتية للنقل: مشروع الطريق العابر للصحراء (10 آلاف كلم) الرابط بين الجزائر ولاجوس، والطريق الرابط بين تندوف والزويرات (موريتانيا)، الهادف إلى فك العزلة عن الساحل وتنشيط المبادلات التجارية.
-
التكامل الطاقوي: أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر، بطاقة تصديرية تقدر بـ30 مليار متر مكعب سنويا، إلى جانب اتفاقيات الربط الكهربائي مع غرب إفريقيا.
-
التحول الرقمي: مشروع الوصلة المحورية للألياف البصرية، الذي يربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا وتشاد ومالي وموريتانيا، بما يعزز الاتصال والتنمية الرقمية.
-
التنمية المشتركة: تأسيس الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، المجهزة بصندوق قيمته مليار دولار لدعم المشاريع الإفريقية.
البعد الاقتصادي والتجاري
تُعَدّ الجزائر من أوائل الدول الملتزمة بتجسيد منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (زليكاف)، حيث أزالت الحواجز الجمركية وانضمت رسميا في ديسمبر 2023 إلى مبادرة التجارة الموجهة، في خطوة عملية نحو تسهيل المبادلات التجارية بين دول القارة.
كما تعمل الجزائر على تعزيز التكامل البشري والتكنولوجي عبر تكوين الكفاءات الإفريقية في مجالي النفط والغاز، وتوسيع شبكة النقل الجوي نحو العواصم الإفريقية لتقريب الاقتصادات والشعوب.
الإندماج الافريقي…مسؤولية تاريخية ورؤية استراتيجية
لذا فإن التزام الجزائر بالاندماج الإفريقي يتجاوز كونه خيارا سياسيا ظرفيا، ليشكل مسؤولية تاريخية ورؤية استراتيجية. فمن خلال رصيدها النضالي، ثقلها الاقتصادي، وشبكة مبادراتها التنموية، تواصل الجزائر لعب دور محوري في رسم ملامح إفريقيا موحدة، صامدة وذات سيادة. وبهذا، يظل الحضور الجزائري في قلب الاندماج الإفريقي تجسيدا لمعادلة متوازنة بين الوفاء للماضي واستشراف المستقبل.