ما قل ودل

بعد قرون من الاحتلال الإسباني للحاضرة…وهران تستعيد كرامتها على يد الباي محمد بن عثمان الكبير

شارك المقال

لم تكن مدينة وهران عبر تاريخها مجرد حاضرة متوسطية عادية، بل شكلت نقطة ارتكاز استراتيجية في الصراع على النفوذ غرب البحر الأبيض المتوسط. فقد تعرضت للاحتلال الإسباني ابتداءً من سنة 1508، حين سقطت في يد التاج الإسباني في سياق التوسع الإيبيري بعد سقوط الأندلس، لتدخل مرحلة طويلة من الهيمنة العسكرية دامت، مع انقطاعات قصيرة، ما يقارب ثلاثة قرون.

وهران تحت الاحتلال الإسباني

شكّلت وهران بالنسبة إلى إسبانيا حصناً متقدماً لمراقبة السواحل المغاربية وتأمين طرق الملاحة، كما كانت قاعدة عسكرية لمواجهة النفوذ العثماني المتصاعد في شمال إفريقيا. وعلى الرغم من محاولات السكان والقوى المحلية استعادتها، ظلت المدينة رهينة التحصينات الإسبانية القوية، وعلى رأسها قلعة سانتا كروز وغيرها من المنشآت الدفاعية التي جعلت اقتحامها مهمة شاقة.

ورغم أن الاحتلال لم يكن متواصلاً بالكامل (إذ استعادها العثمانيون لفترة بين 1708 و1732) في عهد الباي بوشلاغم المسراتي، فإن إسبانيا عادت للسيطرة عليها، ما عمّق من رمزية المدينة باعتبارها أرضاً محتلة يجب استرجاعها.

الباي محمد بن عثمان الكبير… مشروع تحرير

مع تولي محمد بن عثمان الكبير بايلك الغرب سنة 1779، بدأت ملامح مشروع تحريري واضح المعالم. فقد أدرك الباي أن استعادة وهران ليست مجرد عملية عسكرية، بل قضية سيادية تتعلق بالكرامة والوجود السياسي في المنطقة.

عمل محمد الكبير على إعادة تنظيم قواته، وتعزيز التحالفات القبلية، واستنهاض الهمم الدينية والوطنية. وتشير الروايات التاريخية إلى أن جيشاً من “الطلبة” – أي طلاب الزوايا والعلم – لبّى نداء الجهاد، قادمين من مختلف مناطق الغرب الجزائري، في مشهد يعكس تلاحم البعدين الديني والوطني في معركة التحرير.

سنة 1792…لحظة الحسم

بعد حصار طويل وضغوط عسكرية وسياسية متواصلة، وجدت إسبانيا نفسها منهكة، خاصة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب وهران سنة 1790 وأضعف بنيتها الدفاعية. وفي عام 1792 و الذي يوافق تاريخ 26 فبراير، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الإسبانية وتسليم المدينة.

دخلت القوات العثمانية بقيادة محمد الكبير وهران في مشهد تاريخي أنهى فصلاً دامياً من الاحتلال. وبذلك عادت المدينة إلى السيادة الجزائرية قبل عقود قليلة من الاحتلال الفرنسي سنة 1831.

سقوط وهران عادل سقوط القسطنطينية

تمثل استعادة وهران سنة 1792 محطة بارزة في التاريخ الجزائري ما قبل الاستعمار الفرنسي، إذ تؤكد أن فكرة المقاومة واسترجاع الأرض لم تكن وليدة القرن السابع عشر، بل امتداداً لمسار طويل من الصراع والدفاع عن السيادة.

كما يبرز الحدث دور النخب الدينية والعلمية في تعبئة المجتمع، حيث لم تكن الزوايا مجرد مؤسسات تعليمية، بل فضاءات للتنظيم والتعبئة والمقاومة.

و اعتبر العالم المسيحي سقوط وهران حينها مغادلا لسقوط القسطمطينية في عهد محمد الفاتح, حيث تم تنكيس الأعلام و عرفت أوروبا برمتها حدادا لعدة أيام على إفلات حاضرة وهران من أيديهم.

لذا فإن تحرير وهران على يد محمد بن عثمان الكبير لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل كان استعادة لرمزية مدينةٍ ظلّت لقرون عنواناً للصمود. وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول الذاكرة والتاريخ، يبقى استحضار هذه المحطات ضرورة لفهم جذور الهوية الوطنية ومسارات تشكلها عبر القرون.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram