في أحد أحياء وهران الشعبية التي يسكن فيها حبيبنا السي عبد القادر الوهراني، كان صديقنا يجلس على كرسي بلاستيكي أمام المقهى بعد الإفطار، يتابع النقاش الساخن بين شباب الحي حول تنظيم دورة كروية رمضانية. الجميع يتحدث وكأنهم مدربون عالميون: هذا يقترح نظام المجموعات مثل كأس العالم، وذاك يريد مباريات إقصائية مثل دوري الأبطال، وثالث يطالب بحكم محايد “باش ما يكونش الظلم التحكيمي”.
أما الوهراني فكان يستمع بصمت وهو يحتسي قهوته، ثم قال بنبرة الخبير:
“المشكلة ماشي في النظام… المشكلة في اللاعب اللي يلعب شوطين ويروح يفطر مرة ثانية”.
ضحك الجميع، لكن النقاش استمر. فجأة ظهر شاب يحمل دفتراً صغيراً وقال إنه المسؤول عن تسجيل الفرق. بدأ يسأل عن أسماء الفرق، فانهالت الاقتراحات:
“نجوم الحومة”،
“أسود الزنقة”،
“ريال الحي”،
مولودية حبابنا،
وحتى فريق سمّى نفسه “باريس سان الحومة”و آخر “ديبورتيفو الجورة الزينة”.
الوهراني لم يستطع السكوت، فقال:
éيا جماعة الخير، الفرق العالمية عندها ملاعب وملايين… وأنتم ملعبكم بين حيطان الجيران وكرة ناقصة هواء!”
ومع اقتراب موعد أول مباراة بعد التراويح، تحولت الساحة الصغيرة إلى مهرجان كروي. الأطفال صاروا جمهوراً متحمساً، والكبار تحولوا إلى محّللين رياضيين، وكل واحد يعطي تعليمات وكأنه مدرب المنتخب الوطني.
لكن كالعادة، لم تمر المباراة بسلام. فبعد أول احتكاك بسيط، توقفت المباراة خمس دقائق بسبب نقاش طويل حول ما إذا كانت اللقطة “خطأ” أم “تمثيل”. عندها اقترب الوهراني من الحكم وهمس له:
“يا خويا، إذا حبّيت تكمل الدورة بسلام… أعلنها ضربة تماس وخلاص!….الناس راهي مرمضنة”.
وهكذا استمرت الدورة الرمضانية: مباريات مليئة بالحماس، قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وجمهور يتعامل مع كل هدف وكأنه نهائي كأس العالم.
وفي نهاية الليلة، وقف الوهراني يتأمل المشهد وقال مبتسماً:
“الدورات الكروية الجوارية في رمضان عندها ميزة واحدة…
اللاعبين هواة، الحكم هاوٍ، والجمهور محترف في الصراخ!”
وهكذا تبقى هذه الدورات الرمضانية جزءاً من روح الأحياء الشعبية، حيث تختلط كرة القدم بالضحك والجدل والذكريات، وتتحول الزنقة البسيطة إلى ملعب عالمي… على طريقة الوهراني طبعاً.