استنبط معظم حكام الخليج و شعوبهم بعد هجمات إيران الصاروخية و بمسيرات شاهد أن القواعد العسكرية الأمريكية التي احتموا تحت ظلالها لم تكن لفائدتهم بل كانت درع واقي على الطفلة غير الشرعية لأامريكا إسرائيل, و يبدو أن الخليجيون يكونون قد أفاقوا من سباتهم العميق و لن يثني عنهم سوى حمل سلاحهم بأيديهم و درء أي هجوم يستهدفهم مستقبلا لضمان أمنهم القومي و الجيوسياسي إن لم نقل الوجودي مستقبلا.
ففي ظل التحولات الاستراتيجية المتسارعة المصحوبة بالتوترات الإقليمية والصراعات الجيوسياسية التي برزت خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد المواجهات غير المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، أثارت تصريحات رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني جدلاً واسعاً بعد دعوته إلى إنشاء تحالف عسكري خليجي قوي يشبه نموذج حلف شمال الأطلسي.
و جاءت هذه الدعوة في وقت تواجه فيه دول الخليج تحديات أمنية متزايدة نتيجة التوترات المرتبطة بالصراع مع إيران، إضافة إلى تعقيدات المشهد الإقليمي الذي تلعب فيه قوى دولية وإقليمية أدواراً متشابكة، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل.
نحو حلف عسكري خليجي موحد
و يرى حمد بن جاسم أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مطالبة بتجاوز خلافاتها السياسية وتأسيس منظومة دفاعية مشتركة قادرة على حماية أمن المنطقة بشكل مستقل. ووفق هذه الرؤية، يمكن أن تقود المملكة العربية السعودية هذا المشروع باعتبارها القوة الأكبر داخل المجلس، مع بناء تحالفات استراتيجية مع دول إقليمية مؤثرة مثل تركيا وباكستان لضمان توازن القوى في المنطقة.
هذا الطرح يعكس إدراكاً متزايداً لدى بعض النخب السياسية في الخليج بأن الاعتماد الكامل على التحالفات الدولية التقليدية قد لا يكون كافياً لضمان الأمن في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
من التعاون الاقتصادي و السياسي إلى التحالف العسكري
تعكس دعوة حمد بن جاسم نقاشاً أوسع حول مستقبل الأمن الجماعي في الخليج، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي وتراجع اليقين بشأن استمرارية التحالفات التقليدية.
فبين من يرى أن إنشاء “ناتو خليجي” قد يعزز الاستقرار ويخلق توازناً إقليمياً جديداً، وبين من يعتقد أن التباينات السياسية بين دول المنطقة قد تعرقل مثل هذا المشروع، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة دول الخليج على الانتقال من إطار التعاون الاقتصادي والسياسي إلى منظومة دفاعية عسكرية متكاملة.