في كل مرة يُفتح فيها النقاش حول المنتخب الوطني، تتعالى الأصوات المطالِبة بالاعتماد على لاعبي البطولة المحلية والاستغناء عن المحترفين. لكن هذا الطرح يصطدم بواقع ميداني واضح فأندية كثيرة لا تمنح الفرصة للشباب، بل تعتمد على لاعبين في نهاية مسيرتهم، حتى في الأقسام الدنيا. فكيف نطالب المنتخب بما لا نطبقه في أنديتنا؟
و لعل تشريح هذه المعادلة التي تبدو في محيطها بالسهلة إلا أنها تصطدم بالمشكلة الأولى التي تكمن في غياب الثقة.
فالعديد من الأندية في الجزائر تفضّل اللاعب “الجاهز” على حساب الشاب الطموح، حتى لو كان هذا الأخير أكثر موهبة.
فالمدرب، تحت ضغط النتائج، يبحث دائما عن الأمان لا عن المغامرة، فيلجأ إلى أسماء خبرت المنافسة بدل بناء مشروع طويل المدى.
لكن هذا الخيار له ثمن باهظ, حيث قتل روح التنافس داخل الفئات الشبانية, الأمر الذي انجر عنه غياب التجديد في التشكيلات
و بالتالي أدى إلى هجرة المواهب نحو الخارج أو اعتزال مبكر لممارسة كرة القدم.
بطولة بلا هوية تكوينية
حين ننظر إلى الدوريات الكبرى، نجد أن الأندية هي المصنع الحقيقي للنجوم, أما في البطولة الجزائرية، فالمنافسة تعاني من غياب مشروع تكويني واضح, أين باتت المدارس الكروية ضعيفة أو مهمّشة مظير نقص الاستثمار في الفئات الصغرى, مما ينتج عنه دونما شك غيام تام لرؤية استراتيجية لتطوير اللاعبين, وهذه هي الأسباب الرئيسية لعدم بروز منتخب وطني قوي على مقاس ما يحلم به جل الأنصار يتميز بقاعدة محلية صلبة.
إمكانات المحترفين تلغي طموح المحليين
مثلما تمليه قواعد اللعبة فالمنتخب الوطني ليس مكانًا لاكتشاف اللاعبين، بل هو محطة تتويج للأفضل, ولهذا نجد أن المنتخب الوطني لكرة القدم يعتمد بشكل كبير على المحترفين، لأنهم يلعبون في بيئة تنافسية عالية, الأمر الذي يكسبهم خبرة تكتيكية وبدنية متقدمة, فهم يخضعون لاحترافية يومية في التدريب والانضباط, فكيف نطالب بإقصائهم، في وقت لا توفر فيه البطولة المحلية نفس الظروف؟
الحل يبدأ من القاعدة لا من القمة
بدل مهاجمة اختيارات المنتخب، يجب طرح الأسئلة الحقيقية, لماذا لا تمنح الأندية دقائق لعب كافية للشباب؟, و أين هي مراكز التكوين الحقيقية؟…و لماذا لا يتم الاستثمار في المواهب بدل استهلاك اللاعبين؟.
و هنا حسب آراء الخبراء فإن مربط الفرشس يتم عبر حركة إصلاح رياضي شاملة نبدأ من خلالها بفرض قوانين لإشراك اللاعبين الشبان, مع دعم أكاديميات التكوين و إعادة هيكلة البطولة على أسس احترافية.
فكرة القدم لا تُبنى بالعاطفة، بل بالعمل والتخطيط, فمن غير المنطقي أن نطالب المنتخب بالاعتماد على لاعبين لا يشاركون أساسًا مع أنديتهم, فإذا أردنا منتخبًا قويًا بلاعبين محليين، فعلينا أولًا أن نصنع هؤلاء اللاعبين… لا أن نطالب بهم فقط.