ما قل ودل

​يوم العلم…بين “رسالة” ابن باديس و”تجارة” الدروس الخصوصية

شارك المقال

​تستيقظ الجزائر اليوم السادس عشر من أبريل على تراتيل الوفاء لذكرى رحيل رائد النهضة الإصلاحية، الشيخ عبد الحميد بن باديس. يومٌ ليس ككل الأيام، فهو “يوم العلم” الذي لا يُراد منه مجرد الاحتفاء بذكرى تاريخية، بل الوقوف أمام مرآة الواقع التربوي لنتساءل أين نحن اليوم من وصايا الإمام ومنهجه الذي حرر العقول قبل الأرض؟

​حين أسس ابن باديس جمعية العلماء المسلمين، لم يكن ينظر إلى التعليم كمهنة أو وسيلة للارتقاء الاجتماعي المادي، بل كان يراه “معركة وعي”. كان يقدم 15 درساً يومياً، متنقلاً بين المساجد والكتاتيب، مجاناً وبلا كلل، مؤمناً بأن العلم “حق مشاع” كالماء والهواء.

​اعتمد منهج ابن باديس على “إعمال العقل” لا الحفظ الأعمى، وكان هدفه بناء شخصية جزائرية متكاملة تعتز بهويتها وتفهم دينها ولغتها.

لم تكن المدارس الباديسية تبحث عن “النقاط” بل عن “المواقف”، ولم تكن ميزانية الوالدين هي العائق، بل كانت الإرادة هي الوقود.

​في المقابل، نعيش اليوم مفارقة صارخة، فبينما كان ابن باديس يحارب الجهل والفقر بالعلم المجاني، تحولت المنظومة التربوية المعاصرة إلى رهينة لظاهرة “الدروس الخصوصية”، هذه الظاهرة التي تحولت من “دعم اختياري” إلى “تعليم موازٍ حتمي”، أرهقت جيوب العائلات وخلقت شرخاً اجتماعياً عميقاً.

​إن تكدس التلاميذ في مستودعات الدروس الخصوصية، بعيداً عن الرقابة البيداغوجية، يضرب في الصميم مبدأ “تكافؤ الفرص” الذي نادى به المصلحون. لقد أصبح التحصيل العلمي مرتبطاً بالقدرة الشرائية للولي، مما أدى إلى تراجع دور “المدرسة النظامية” التي كانت في عهد ابن باديس منبراً للعدالة الاجتماعية.
​”إنّما ينهضُ الشّعبُ إذا نهضت أخلاقُه” عبارة لابن باديس تختصر الحل ، فالأزمة ليست في نقص المناهج، بل في انحراف الغاية من التعليم من “التربية والتنوير” إلى “الاستهلاك المادي”.

​في ذكرى 16 أبريل، لا يكفي أن نرفع الشعارات ونلقي القصائد. إن الوفاء الحقيقي لابن باديس يكمن في استعادة “قدسية التعليم”. نحن بحاجة إلى ثورة تربوية تعيد للمدرسة هيبتها، وللمعلم كرامته ورسالته، وللتلميذ حقه في تعليم نوعي ومجاني، بعيداً عن ضغوط السوق ومستودعات “التعليب الفكري”.

​ليكن يوم العلم فرصة للمساءلة: هل نحن نبني عقولاً حرة كما أراد ابن باديس، أم نكتفي بصناعة “ناجحين في الأوراق”

رحم الله الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي علمنا أن “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”، شريطة أن يكون هذا النقش بيد مخلصة، لا بيد تتاجر بمستقبل الأجيال.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram