ما قل ودل

الجزائر تطالب بالذاكرة المسروقة كاملة…فرنسا تفتح الصندوق الأسود للاستعمار

شارك المقال

في خطوة وُصفت بالتاريخية، صادق البرلمان الفرنسي يوم 13 أفريل 2026 بالإجماع على “قانون إطار” يُسهّل إعادة الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية، خاصة نحو الجزائر. غير أن هذا التطور، رغم رمزيته، يفتح الباب لنقاش أوسع حول حدود هذه المبادرة ومدى استجابتها للمطالب الجزائرية المتراكمة منذ سنوات, خصوصا ما تعلق بالاعتراف الصريح حول جرائم الاستعمار.

يسمح القانون الجديد بإعادة الممتلكات الثقافية عبر مراسيم حكومية، ما يُعدّ تطورًا مهمًا مقارنة بالإجراءات المعقدة السابقة. غير أن هذا الإطار القانوني يستثني بعض الفئات، وعلى رأسها القطع ذات الطابع العسكري، وهو ما يُقلّص من أثره بالنسبة للجزائر.

ويأتي هذا القرار في سياق تزايد الضغوط السياسية والأكاديمية داخل فرنسا لإعادة النظر في الإرث الاستعماري، خاصة مع تصاعد المطالب بإرجاع الممتلكات المنهوبة إلى بلدانها الأصلية.

 لا يضيع حق وراءه الجزائر

خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962، تعرّضت الجزائر لعمليات نهب واسعة شملت ممتلكات ثقافية وتاريخية ذات قيمة رمزية كبيرة. ومن أبرزها رفات المقاومين الجزائريين، حيث لا يزال نحو 18 ألف جمجمة محفوظة في متحف الإنسان، وقد أُعيد جزء منها فقط سنة 2020 تحت رعاية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

كما تشمل المطالب الجزائرية ممتلكات شخصية للأمير الأمير عبد القادر، مثل سيفه وبُرنوسه ومصحفه و خطوطات قيمة تعود لمكتبته الشهيرة “الزمالة”، إضافة إلى وثائق ومخطوطات تعود إلى عهد إيالة الجزائر، فضلًا عن أرشيفات رسمية نُقلت إلى فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية و التي من خلالها يمكننا كجزائريين أن نعيد كتابة تاريخنا بكل موضوعية و شفافية.

 “بابا مرزوق”…مدفع القناصلة

يُعدّ مدفع بابا مرزوق، المعروف في فرنسا باسم “La Consulaire”، أحد أبرز رموز هذا الملف. فقد تم الاستيلاء عليه سنة 1830، وهو معروض حاليًا في مدينة بريست الفرنسية، ويُشكّل محورًا أساسيًا في المطالب الجزائرية منذ 2013.

غير أن تصنيفه كقطعة عسكرية يُعقّد مسار استرجاعه قانونيًا، في ظل استثناء هذا النوع من الممتلكات من القانون الجديد، ما يعكس استمرار التعقيدات المرتبطة بملف الذاكرة بين البلدين.

للتذكير أن مدفع بابا مرزوق يعد أحد القطع العسكرية ذات الرمزية السيادية, حيث أن فرنسا لا تزال تئن من ضرباتها, أين دك فيه العديد من القناصلة و قذف بهم في عرض البحر عندما أخلت فرنسا بالتزاماتها اتجاه الجزائر, و أرادت غزو الشواطئ الجزائرية زمن القوة و النخوة أيام الأسطول الجزائري الأبي.

و كانت أول أهداف حملة الجنرال دوبورمون الهمجية و بتوجيهات من ملك فرنسا شارل العاشر نفسه هي إحضار مدفع بابا مرزوق الذي يعتبره الفرنسيون لحد الآن شاهدا على انكسار شوكة فرنسا أمام الجزائريين.

 في انتظار اعترافكم…أعيدوا لنا ممتلكاتنا

رغم أهمية هذا القانون، يرى مراقبون أنه لا يزال خطوة جزئية، تحتاج إلى إرادة سياسية أوسع لمعالجة ملف الذاكرة بشكل شامل. فإعادة الممتلكات الثقافية لا تتعلق فقط بالأشياء، بل تمسّ الاعتراف بالتاريخ واستعادة الكرامة الرمزية للشعوب.

وفي هذا السياق، يبقى مستقبل العلاقات بين الجزائر وفرنسا مرتبطًا بمدى التقدم في هذا الملف الحساس، الذي يتجاوز البعد القانوني ليصل إلى عمق الذاكرة الجماعية.

يمثّل القانون الفرنسي الجديد خطوة في اتجاه معالجة إرث الاستعمار، لكنه لا يزال بعيدًا عن تلبية كامل المطالب الجزائرية، خاصة في ما يتعلق بالرموز التاريخية الكبرى. وبين التقدم المحدود والتحديات القائمة، يظل ملف استرجاع الممتلكات الثقافية اختبارًا حقيقيًا لإرادة المصالحة التاريخية بين البلدين.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram