في السادس والسابع من فيفري سنة 1959، لم تكن جبال الونشريس مجرد تضاريس صخرية معزولة في قلب الجزائر، بل كانت مسرحاً لواحدة من أعظم ملاحم الصمود في تاريخ الثورة التحريرية. هناك، بين منطقتي “غيوميه” و“موليير” التي تعرف اليوم بمدينة برج بونعامة بولاية تسمسيلت، أطلقت القوات الاستعمارية الفرنسية عملية عسكرية ضخمة عُرفت باسم “عملية إيريس”، في محاولة لكسر شوكة جيش التحرير الوطني وإخماد جذوة الثورة التي كانت تشتعل في الجبال والقرى الجزائرية.
فرنسا لم تأتِ يومها بجيش عادي، بل دفعت بفرقة المظليين العاشرة بقيادة الجنرال “غراسيو”، مدعومة بوحدات “اللفيف الأجنبي” والمدرعات والطيران الحربي والمدفعية الثقيلة. كان المشهد أقرب إلى حرب عالمية مصغرة، حيث حاصرت آلة عسكرية كاملة جبالاً يسكنها رجال لا يملكون سوى الإيمان بالحرية.
وسط ذلك الجحيم، التقط مصور فرنسي صورة تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أقوى الشهادات على عظمة الثورة الجزائرية. الصورة لمجاهد جزائري وقع في الأسر، مسؤول اتصال في جيش التحرير الوطني، لكن المفارقة الصادمة أن هذا الرجل الذي استنفرت فرنسا لأجله الطائرات والمظليين لم يكن يحمل سوى بندقية صيد بسيطة وتصريح مرور تابع للثورة.
لقد أراد الاستعمار أن يوثق “انتصاره” العسكري، لكنه دون أن يشعر وثّق هزيمته الأخلاقية والتاريخية. فالصورة أظهرت جنوداً فرنسيين مدججين بأحدث الأسلحة والمناظير و البدلات العسكرية، يحيطون برجل أعزل، مقيد اليدين إلى الخلف، يرتدي ملابس أنهكها برد الجبال وقسوة الحرب. والأكثر رمزية أن أحد الجنود كان ينحني ليربط قدمي الأسير بالحبال، وكأن فرنسا بكل قوتها كانت تخشى حتى خطوات رجل مكبل.
ذلك المشهد لم يكن مجرد لحظة أسر، بل كان اختصاراً لمعنى الثورة الجزائرية كلها. فالاستعمار أدرك يومها أنه لا يواجه مجرد مقاتلين، بل يواجه عقيدة وإرادة شعب قرر أن يعيش حراً مهما كان الثمن. ولذلك بدا الجندي الفرنسي، رغم سلاحه وعتاده، أصغر من ذلك الأسير الذي بقي شامخاً بكبريائه، وكأن روحه كانت تحلق فوق قمم الونشريس والأوراس وجرجرة حتى وهو في الأسر.
لقد كانت فرنسا تمتلك الطائرات والدبابات والمدافع، لكن الجزائريين امتلكوا شيئاً أخطر بكثير: الإيمان المطلق بأن الاستقلال آتٍ لا محالة. ومن هنا نفهم كيف استطاع رجال ببنادق صيد بسيطة أن يهزموا واحدة من أقوى الإمبراطوريات العسكرية في عصرها.
إن الصورة التي التقطها المصور الفرنسي تحولت اليوم إلى “وثيقة شرف” أكثر منها وثيقة حرب. فهي تذكر الأجيال بأن الحرية التي تعيشها الجزائر لم تكن هدية سياسية، بل ثمرة تضحيات هائلة دفع ثمنها رجال ونساء آمنوا بوطنهم حتى النهاية. هؤلاء المجاهدون لم يبحثوا عن مجد شخصي أو امتيازات، بل قدموا أنفسهم قرابين حية على مذبح الحرية.
ولهذا تبقى معارك الونشريس وغيرها من محطات الثورة التحريرية شاهداً على حقيقة تاريخية لا يمكن طمسها: الجزائر لم تنتصر بقوة السلاح فقط، بل بقوة الإرادة. وحين تواجه أمة كاملة الاستعمار ببندقية صيد وإيمان لا ينكسر، فإن النتيجة الحتمية هي أن يولد وطن حر من رحم المعاناة.
المجد والخلود لشهداء الثورة الجزائرية، ولأولئك الذين كتبوا بدمائهم أسطورة شعب رفض الركوع، فانتصر.