افتتحت الندوة العلمية التي نظمتها وحدة اللسانيات وتعليمية اللغات التابعة لـأكاديمية الوهراني يوم السبت 22 ذو القعدة 1447هـ الموافق لـ09 ماي 2026، والموسومة بـ“اللسانيات الأصولية: قواعد اللغة العربية كمرتكز للفهم المقاصدي”، تحت الإشراف العام للأستاذة الدكتورة سعاد بسناسي، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المهتمين بقضايا اللغة والفقه والمقاصد الشرعية.
وقد تولت الدكتورة خديجة مرات مهمة التنسيق، فيما أشرفت الدكتورة خديجة رقيق على إدارة الندوة وإعداد تقريرها، بينما تكفلت الدكتورة زاهية عثمان بالبث التقني للقاء العلمي الذي انطلق في تمام العاشرة صباحاً بتوقيت غرينتش، والحادية عشرة صباحاً بتوقيت الجزائر وتونس، والثانية عشرة ظهراً بتوقيت مصر.
وجاءت هذه الندوة في إطار الاهتمام المتزايد بربط الدراسات اللسانية الحديثة بعلوم أصول الفقه، من خلال إبراز دور القواعد النحوية والصرفية والسياقية في فهم النصوص الشرعية وضبط المقاصد، حيث شكلت الندوة فضاءً معرفياً للنقاش حول أهمية اللغة العربية باعتبارها الوعاء الأساس لفهم الأحكام الشرعية واستنباط الدلالات الدقيقة للنصوص.
و شهدت ذات الندوة العلمية التي خصصت نقاشاً معرفياً عميقاً حول موضوع “اللسانيات الأصولية” باعتبارها جسراً يربط بين علوم اللغة العربية ومقاصد الشريعة، وذلك من خلال التأكيد على أن فهم النصوص الشرعية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن البنية اللغوية التي صيغت بها.
الندوة التي قدمها الدكتور محمد فهمي رشاد، الأستاذ بجامعة القصر الدولية بليبيا ومدير معهد التفسير والفقه الإسلامي، انطلقت بالتأكيد على أن اللسانيات الحديثة أحدثت ثورة في دراسة اللغات من خلال اعتماد مقاربات علمية وشمولية، تطورت مع الزمن لتولي أهمية كبيرة للبعد الاستعمالي والسياقي في فهم المقاصد والمعاني.
وتوقف المحاضر عند مفهوم “اللسانيات الأصولية” بوصفه مجالاً معرفياً يسعى إلى الربط بين علوم اللغة وعلوم أصول الفقه، انطلاقاً من فكرة محورية مفادها أن الأحكام الشرعية لا تُفهم إلا عبر دلالة الألفاظ، وأن هذه الدلالات لا يمكن ضبطها إلا بقواعد اللغة العربية نحواً وصرفاً وبلاغة وسياقاً.
وأكد الدكتور رشاد أن القواعد النحوية والصرفية ليست مجرد أدوات شكلية لتزيين اللغة، بل هي مفاتيح حقيقية للاجتهاد وفهم المقاصد الشرعية. فالإعراب، بحسب طرحه، ليس حركة لغوية مجردة، وإنما عنصر يكشف المعنى المقصود ويمنع الانحراف في التأويل. واستشهد في ذلك بقوله تعالى:
«إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ»، موضحاً أن أي خلل في فهم البنية النحوية للآية قد يؤدي إلى اختلال عقائدي خطير، لأن الخشية هنا تصدر من العلماء تجاه الله، لا العكس.
كما تناول المحاضر أهمية التمييز بين الصيغ الصرفية المختلفة، مثل اسم الفاعل وصيغ المبالغة والمصدر، معتبراً أن هذه الفروق تؤثر بشكل مباشر في استنباط الأحكام الشرعية، خاصة في قضايا العقود والجنايات والمعاملات.
وفي سياق حديثه عن العلاقة بين اللغة والمقاصد، شدد الدكتور رشاد على أن القواعد الأصولية الكبرى، مثل العام والخاص والمطلق والمقيد، لا يمكن فهمها إلا عبر أدوات لغوية دقيقة، مؤكداً أن المؤكدات اللغوية مثل “إنّ” و“قد” تمنح النص قوة دلالية تجعل الحكم أكثر قطعية وحسماً.
ولم يغفل المحاضر دور السياق في توجيه المعنى الشرعي، حيث اعتبره “روح النص” التي تمنح الكلمات حياتها الحقيقية. وبيّن أن السياق نوعان: سياق لغوي يحيط بالألفاظ داخل التركيب، وسياق حالي يرتبط بالمقام والظروف المحيطة بالنص.
واستشهد في ذلك بعدد من الآيات القرآنية التي يتغير معناها بحسب السياق، مثل قوله تعالى:
«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ»، موضحاً أن كلمة “الناس” الأولى لا تحمل المعنى نفسه الذي تحمله الثانية، بل يحدد السياق المقصود الحقيقي لكل لفظة.
كما تطرق إلى قوله تعالى:
«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ»، موضحاً أن المقصد هنا لا يتعلق بمجرد الأمر بالانتشار، بل بإباحة طلب الرزق بعد المنع المؤقت وقت صلاة الجمعة، وهو ما يكشف كيف يوجّه السياق فهم الحكم الشرعي.
وفي ختام الندوة، خلص الدكتور محمد فهمي رشاد إلى أن الحكم الشرعي يقوم على ثلاثة أركان مترابطة: اللفظ والسياق والمقصد، مؤكداً أن أي اجتهاد يغفل أحد هذه العناصر يبقى ناقصاً ومعرضاً للخطأ والانحراف.
وقد اختتمت الندوة بالدعاء بالتوفيق والسداد، وسط إشادة الحاضرين بأهمية هذا الطرح الذي يعيد التأكيد على مركزية اللغة العربية في فهم النصوص الشرعية وحماية المقاصد من التأويلات المتسرعة أو المنفصلة عن قواعد البيان العربي.