ما قل ودل

المثقف الوظيفي يعود للواجهة…بوعلام صنصال يختار فرنسا مجدداً

شارك المقال

يثير اسم بوعلام صنصال نقاشاً متواصلاً داخل الجزائر وخارجها، خاصة بعد سلسلة من التصريحات والمواقف التي اعتبرت في حينها تجاوزاً لحدود النقد الفكري المشروع إلى الاصطفاف مع دوائر إعلامية وسياسية معروفة بعدائها للجزائر أو سعيها لإعادة تشكيل صورة البلاد وفق سرديات تخدم مصالح معينة.

وقد زادت بعض مواقفه الأخيرة من حدة هذا الجدل، خصوصاً بعد تراجعه عن تصريحات سابقة لوّح فيها بمغادرة فرنسا، قبل أن يصف الأمر لاحقاً بأنه مجرد “لحظة غضب”. هذا التراجع قرأه منتقدوه باعتباره دليلاً على هشاشة المواقف التي يتبناها، واعتبروا أن خطابه لم يعد قائماً على قناعة فكرية مستقرة بقدر ما أصبح خاضعاً لتقلبات المزاج السياسي والإعلامي.

ويرى كثير من الجزائريين أن الإشكال لا يتعلق بحرية التعبير أو حق الكاتب في النقد، فالنقد في حد ذاته جزء طبيعي من أي مجتمع حي، بل يكمن في طبيعة الخطاب الذي يُقدَّم أحياناً باعتباره مادة جاهزة لتغذية حملات تستهدف صورة الجزائر وتاريخها وهويتها. ولهذا أصبح اسم صنصال بالنسبة إلى منتقديه مرتبطاً بما يسمونه “المثقف الوظيفي”، أي ذلك الكاتب الذي يتحول تدريجياً من صاحب مشروع فكري مستقل إلى مجرد صوت يُستخدم ضمن شبكات النفوذ الإعلامي والسياسي.

و لا يزال الجدل قائما حول بوعلام صنصال الذي انعكس إلى أزمة أعمق تتعلق بدور المثقف وحدود علاقته بالسلطة والإعلام والفضاءات الدولية. فالمثقف الحقيقي، في نظر كثيرين، لا يُقاس بعدد الجوائز أو المنابر التي تستضيفه، بل بقدرته على الحفاظ على استقلاليته الأخلاقية والفكرية، وعلى عدم التحول إلى أداة في صراعات تتجاوز حدود الأدب والفكر.

لقد عرف التاريخ أسماء كثيرة لمثقفين خسروا شعوبهم عندما اعتقدوا أن التصفيق الخارجي يكفي لصناعة الشرعية الرمزية. وفي المقابل، بقيت أسماء أخرى خالدة لأنها اختارت الوقوف إلى جانب قضايا أوطانها حتى وإن دفعت الثمن عزلةً أو تهميشاً أو صداماً مع مراكز النفوذ.

وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي ليس في لحظة إعلامية عابرة أو في جدل مواقع التواصل، بل في ذاكرة الشعوب نفسها. فالتاريخ قد ينسى كثيراً من الجوائز والحوارات والتصريحات، لكنه نادراً ما ينسى المواقف التي شعر الناس أنها مست كرامتهم الجماعية أو دافعت عنها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram