ما قل ودل

معركة الأدب بين الضمير و العمالة…شتان بين جون بول سارتر و داود

شارك المقال

لطالما كانت الجوائز الأدبية العالمية أكثر من مجرد تكريم ثقافي، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار حقيقي لعلاقة الكاتب بقضاياه الوطنية والإنسانية. وبينما اختار بعض الأدباء أن يجعلوا من أقلامهم جسوراً للدفاع عن الشعوب وكرامة الإنسان، فضّل آخرون السير في اتجاهات أثارت جدلاً واسعاً داخل مجتمعاتهم، خاصة عندما ارتبط الأمر بصورة الوطن وتاريخه وذاكرته الجماعية.

في هذا السياق، يبرز اسم كمال داود كواحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل في الساحة الثقافية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، بسبب مواقفه وتصريحاته التي اعتبرها كثير من الجزائريين متماهية مع السرديات الفرنسية حول التاريخ والهوية والذاكرة الاستعمارية. ويرى منتقدوه أن بعض كتاباته قدّمت صورة قاتمة ومشوهة عن المجتمع الجزائري، وهو ما فتح الباب أمام اتهامات بأنه فضّل القبول الغربي والاحتفاء الإعلامي الفرنسي على حساب الانتماء الوطني والوفاء لذاكرة بلاده.

وفي الجهة المقابلة، يقف الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر كحالة مختلفة تماماً في الذاكرة الجزائرية. فرغم كونه فرنسياً، إلا أنه اتخذ مواقف جريئة في الدفاع عن حق الجزائر في الاستقلال خلال حرب التحرير، وندّد علناً بالاستعمار الفرنسي وممارساته القمعية، حتى أصبح هدفاً لهجمات اليمين الفرنسي المتطرف آنذاك.

وعندما مُنح سارتر جائزة نوبل في الأدب سنة 1964، رفضها بشكل أثار صدمة عالمية، مبرراً موقفه برفضه لتحويل الكاتب إلى مؤسسة رسمية أو توظيفه ضمن أي معسكر سياسي أو أيديولوجي. غير أن كثيرين ربطوا موقفه أيضاً بسياقه الفكري والإنساني الداعم لحركات التحرر، وفي مقدمتها القضية الجزائرية التي دافع عنها بقوة في كتاباته ومقالاته.

المفارقة التي يراها كثير من الجزائريين اليوم تكمن في أن مفكراً فرنسياً مثل سارتر وقف إلى جانب الشعب الجزائري في معركته ضد الاستعمار، بينما وقع صنصال و داود في فخ الخيانة العظمى بتقديمهما خطاب يُستخدم في فرنسا لإعادة إنتاج نظرة استعلائية تجاه الجزائر وتاريخها. وهنا لا يعود النقاش متعلقاً بالأدب فقط، بل يتحول إلى سؤال أعمق حول مسؤولية المثقف تجاه وطنه وحدود الحرية الفكرية عندما يتعلق الأمر بالذاكرة الوطنية.

ومع علمنا السابق أن الأدب بطبيعته مساحة للتعبير الحر وطرح الأسئلة المزعجة أحياناً و هو ما يعتبر في خانة المقبول، لكن الإشكال يبدأ عندما يشعر جزء كبير من المجتمع أن الكاتب لم يعد يعبر عن همومه بقدر ما أصبح يبحث عن التصفيق الخارجي ولو على حساب صورته وهويته الجماعية.

لقد كان سارتر يدرك أن الكاتب لا يمكن أن يكون محايداً أمام الظلم، ولذلك دفع ثمن مواقفه السياسية والفكرية داخل فرنسا نفسها. أما الجدل الدائر حول كمال داود، فهو يعكس الانقسام العميق حول طبيعة العلاقة بين المثقف والغرب، وبين حرية التعبير والالتزام الأخلاقي تجاه قضايا الوطن.

في النهاية، قد تختلف الأسماء والظروف، لكن التاريخ غالباً ما يحتفظ بالمواقف أكثر مما يحتفظ بالجوائز. فالجوائز مهما كانت قيمتها تبقى لحظة عابرة، أما الموقف الأخلاقي فيتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الشعوب، وهو ما يفسر لماذا لا يزال اسم جان بول سارتر يحظى باحترام واسع في الوجدان الجزائري، رغم أنه لم يكن جزائرياً، بينما تستمر بعض الأسماء مثل صنصال و داود  في إثارة الجدل نحن غطاء خدمة الأجندات الأجنبية على حساب بلاد ربتهم و درستهم و آوتهم….فعلا صدق المثل الشعبي المصري “اللي اختشوا ماتوا”.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram