ما قل ودل

من المداشر إلى الاحتراف…هكذا تُصنع الجواهر الكروية

شارك المقال

في عالم كرة القدم الحديثة، لم تعد النجومية تُصنع فقط داخل الملاعب الكبرى أو الأكاديميات الفاخرة، بل أصبحت تبدأ من الأزقة الشعبية، والأحياء الهامشية، وحتى القرى المنسية. هناك تحديدًا يبحث “الكشّافون” عن العصافير النادرة، عن الطفل الذي يركض خلف الكرة بحلم أكبر من الحي الذي يسكنه.

وفي هذا السياق، شدّت انتباه المتابعين مؤخراً خطوة بعض الأندية الأوروبية التي قررت الاستفادة من خبرة اللاعبين الجزائريين السابقين بعد اعتزالهم، من خلال توظيفهم ككشافين للمواهب الشابة. فقد اعتمد نادي باير ليفركوزن الألماني على الدولي السابق يزيد منصوري، بينما اختار نادي نانت الفرنسي اللاعب كريم مطمور للقيام بمهمة التنقيب عن المواهب الكروية، خاصة في الأوساط الشعبية التي طالما أنجبت نجوماً كباراً.

ولم يكن اختيار هؤلاء اللاعبين عبثياً، فالأوروبيون يدركون أن اللاعب السابق يمتلك “عيناً كروية” لا تُدرّس، وخبرة ميدانية تساعده على اكتشاف الموهبة الخام قبل أن يلتقطها الآخرون. فرياض محرز مثلاً لم يولد نجماً في أكاديمية عملاقة، بل تم اكتشافه في ضواحي “سارسيل” الباريسية، حيث البطالة والعنف والتهميش، لكن موهبته كانت أكبر من واقع الحي الذي ترعرع فيه.

ولعل التجارب الأوروبية في هذا المجال أصبحت نموذجاً ناجحاً يُحتذى به، فالكشافون الأوروبيون يجوبون أدغال إفريقيا وقرى أمريكا الجنوبية بحثاً عن الجواهر الكروية. نادي أوكسير الفرنسي، على سبيل المثال، أسّس مدارس كروية في ساحل العاج، ومنها خرج نجوم كبار على غرار يايا توري وكولو توري وبونافنتور كالّو وغيرهم.

أما في الجزائر، فرغم وجود النشاط الكروي الجمعوي والمدارس الكروية، إلا أن عملية اكتشاف المواهب باتت محدودة مقارنة بالماضي. ففي زمن الإصلاح الرياضي، كان المختصون يزورون المدارس والأحياء الشعبية وحتى الشوارع لاختيار اللاعبين الموهوبين. ولم يظهر لخضر بلومي أو صالح عصاد أو ماجر من ملاعب فاخرة، بل خرجوا من أحياء بسيطة وملاعب ترابية صنعت رجالاً عشقوا الكرة بالفطرة.

المفارقة اليوم أن الكثير من اللاعبين القدامى يعيشون على هامش المنظومة الكروية، رغم امتلاكهم الخبرة والقدرة على اكتشاف النجوم. بعضهم تحول إلى محللين في “البلاطوهات” التلفزيونية، وآخرون يقضون وقتهم في المقاهي أو المدرجات يسترجعون ذكريات الماضي، بينما الأندية الجزائرية تبحث عن المواهب بوسائل تقليدية لم تعد تواكب التطور الحديث لكرة القدم.

إن الكرة الجزائرية بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمهنة “الكشاف”، وإلى دمج اللاعبين السابقين داخل مشاريع التكوين والتنقيب عن المواهب، لأن المستقبل الحقيقي للمنتخبات والأندية لا يُبنى بالصفقات فقط، بل بصناعة اللاعب منذ الصغر. فربما يوجد اليوم في قرية نائية أو حي شعبي طفل آخر يشبه محرز أو بلومي… لكنه ينتظر فقط من يكتشفه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram