لم يكن يعلم الشاب بشير حليمي، المولود سنة 1956 بمدينة مداوروش التاريخية في ولاية سوق أهراس، أن رحلته التي بدأت من أعالي الشرق الجزائري ستنتهي به كأحد الفاعلين في الثورة الرقمية العالمية. فبعد حصوله على شهادة البكالوريا بتفوق، حمل طموحه وتوجه نحو كندا في السبعينيات، وتحديداً إلى جامعة مونتريال، ليدرس تخصصاً كان حينها بمثابة “لغة المستقبل”: الإعلام الآلي.
تحدي “التعريب”…عندما واجهت الخوارزميات خصوصية الضاد
في تلك الفترة، كانت أنظمة الحاسوب “لاتينية” بامتياز، تفتقر إلى المرونة اللازمة لاستيعاب جمالية وتعقيد الحروف العربية، سواء من حيث اتجاه الكتابة من اليمين إلى اليسار، أو تشابك الحروف وتغير أشكالها. هنا برز اسم الدكتور حليمي، الذي لم يرَ في لغته الأم عائقاً تقنياً، بل تحدياً برمجياً.
أبرز ملامح إنجازه التقني
-
تطوير خوارزميات الربط الآلي: ابتكر حلولاً برمجية تسمح للحاسوب بالتعرف على شكل الحرف العربي وتغيره حسب موقعه في الكلمة (بداية، وسط، نهاية).
-
معالجة اتجاه الكتابة: ساهم في وضع الأسس البرمجية للكتابة ثنائية الاتجاه (Bi-Directional)، مما سمح بدمج النصوص العربية واللاتينية في سطر واحد دون اختلال في النظام.
-
تأسيس شركة “أليس”: كانت شركته الرائدة في مونتريال من أولى المؤسسات التي قدمت حلولاً متكاملة لتعريب أنظمة التشغيل، وهو ما لفت أنظار كبرى الشركات العالمية مثل “مايكروسوفت”.
بصمة جزائرية في جيب كل إنسان
بفضل الابتكارات التي قادها الدكتور حليمي، لم يعد استخدام اللغة العربية في الفضاء الرقمي ترفاً، بل أصبح واقعاً نعيشه اليوم في كل رسالة نصية، وبريد إلكتروني، وتطبيق على هواتفنا الذكية. إن سهولة الكتابة بالعربية التي نتمتع بها اليوم هي في جوهرها ثمرة لجهد فكري قاده ابن مدينة مداوروش.
أيقونة النجاح والذاكرة الوطنية
لا يمثل الدكتور بشير حليمي مجرد مهندس أو مخترع، بل هو نموذج للمهاجر الجزائري الذي لم ينفصل عن جذوره. إن مسيرته تؤكد أن العقل الجزائري قادر على التفوق في أدق التخصصات العلمية، وأن الوفاء للهوية يمكن أن يُترجم إلى ابتكارات تخدم البشرية جمعاء.
“إن لغتنا العربية تمتلك منطقاً رياضياً فريداً، وتطويع التكنولوجيا لخدمتها هو ردّ اعتبار لحضارة عريقة.”
– مقتبس من رؤية الدكتور حليمي التقنية -.
ليبقى بشير حليمي فخراً لمدرستنا الجزائرية وسفيراً فوق العادة للعلم والعمل. ففي كل مرة نكتب فيها كلمة بالعربية على لوحة مفاتيح رقمية، تذكروا أن هناك بصمة جزائرية خلف تلك الحروف المنسابة.