ما قل ودل

لو توحّدت الجزائر في 1830…فرنسا كانت ستُطرد قبل أن تتغلغل

اتحاد قوات الأمير بأحمد باي كان الأجدر به أن يكون

شارك المقال

ليس من باب الترف الفكري أن نتأمل اليوم، بعد قرنين من بدايات الاحتلال الفرنسي، في لحظة مفصلية كان يمكن أن تغيّر وجه التاريخ في الجزائر. بل هو سؤال يفرض نفسه بإلحاح: ماذا لو لم تُترك البلاد لتُدار بمنطق الجبهات المتفرقة، وماذا لو تلاقت البوصلات السياسية والعسكرية منذ البداية في اتجاه واحد؟

في مطلع ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت فرنسا لا تزال قوة تبحث عن تثبيت موطئ قدم في أرض لم تستقر لها بعد. وفي المقابل، كانت الجزائر تملك طاقات مقاومة حقيقية، لكنها كانت تتحرك في مسارات متوازية أكثر مما هي مسارات متقاطعة. هنا تحديداً، يتكشف السيناريو الذي كان يمكن أن يغيّر كل شيء: وحدة مبكرة بين الشرق والغرب، بين الأمير عبد القادر وأحمد باي، في مشروع مقاومة واحد لا يعرف التردد ولا التجزئة.

كلمة السّر…جبهة وطنية موحدة

في هذا التصور، لم تكن الجزائر لتُدار كجبهات متفرقة تستنزفها الحملات العسكرية الفرنسية واحدة بعد أخرى، بل كجبهة وطنية موحدة تفرض إيقاعها على الأرض تمام كما حصل في ثورة الفاتح نوفمبر المجيدة, حيث كانت المعركة ستتحول من دفاعات متفرقة إلى استراتيجية شاملة تُغلق الباب أمام سياسة “التقسيم ثم السيطرة”، تلك السياسة التي شكلت العمود الفقري للتوسع الاستعماري الفرنسي في بداياته.

وفي لحظة كهذه، كان ميزان القوة سيتغير جذرياً. ففرنسا، التي اعتمدت في سنواتها الأولى على التفوق البحري وإعادة التموين من الساحل، كانت ستجد نفسها أمام أرض داخلية مغلقة، ومقاومة لا تُستدرج إلى اتفاقات جزئية، ولا تُستنزف في معارك منفصلة. كانت خطوط الإمداد ستتعثر، وكانت الكلفة السياسية والعسكرية ستتصاعد في باريس نفسها، في وقت لم تكن فيه فرنسا مستعدة بعد لخوض حرب استنزاف طويلة بهذا الحجم, خصوصا و أنها عانت من اضطرابات داخلية أدت في النهاية بعزل شارل العاشر الذي لم يشفع له احتلال الجزائر و تمالطه عن تسديد فرنسا لديونها اتجاهها.

المقاومة الشاملة كانت الحل الأمثل

الأخطر على المشروع الاستعماري لم يكن السلاح وحده، بل انهيار القدرة على العزل. فبدلاً من مقاومة منفصلة يسهل تطويقها، كانت فرنسا ستواجه كياناً مقاوماً واحداً، يربط بين الشرق والغرب، ويحوّل الجغرافيا الجزائرية من مساحة قابلة للتجزئة إلى كتلة واحدة عصيّة على الاختراق.

ومع تصاعد الضغط، كان يمكن أن يتحول الوجود الفرنسي من مشروع توسع إلى أزمة داخلية فرنسية بامتياز، حيث تتراجع الجدوى السياسية والعسكرية للاحتلال أمام مقاومة لا تنكسر ولا تُحتوى. وفي مثل هذا المناخ، لم يكن من المستبعد أن تبدأ باريس مبكراً في إعادة حساباتها، وربما الانسحاب التدريجي من الداخل قبل أن يتمكن المشروع الاستعماري من ترسيخ جذوره.

ماذا لو اتحّد الأمير عبد القادر و أحمد باي ؟

هذا التساؤل ليس مجرد افتراض عابر، بل هو تفكير في واحدة من أبرز “الفرص الضائعة” في تاريخ المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر. لو تحقق هذا التحالف المبكر بين الشرق (بقيادة أحمد باي) والغرب والوسط (بقيادة الأمير عبد القادر)، لكان مسار التاريخ الجزائري، وربما المتوسطي، قد تغير تماماً.

إن القيمة الاستراتيجية الكبرى لهذا الاتحاد كانت ستكمن من إجهاض سياسة “الاستفراد والتقسيم” التي شكلت العمود الفقري للتوسع الاستعماري الفرنسي. فقد اعتمد الجنرالات الفرنسيون على إبرام هدن واتفاقيات جزئية ومؤقتة مع جبهة ليتفرغوا بجيوشهم لضرب الجبهة الأخرى واستنزافها. فبينما كانت فرنسا توقع المعاهدات في الغرب والوسط مع الأمير عبد القادر، كانت توجّه حملاتها العسكرية العنيفة نحو الشرق لمحاصرة أحمد باي وقصف قسنطينة. وفي حال وجود قيادة موحدة تنسق التحركات، لكان أي تحرك فرنسي على جبهة ما يُقابل بهجوم مضاد وفوري من الجبهة الأخرى، مما يشتت قوات الاحتلال ويضعها بين فكي كماشة حقيقية.

علاوة على ذلك، كان هذا التحالف سيخلق كُتلة جغرافية واحدة وعمقاً استراتيجياً متصلاً يمتد من الحدود الشرقية إلى الحدود الغربية للبلاد، محولاً الجغرافيا الجزائرية إلى مساحة عصية على الاختراق والتجزئة. هذا التلاحم كان سيضمن خطوط إمداد آمنة، وتبادلاً مرناً للمجاهدين، وتنسيقاً استخباراتياً عالي المستوى، مما يمنع فرنسا من تطبيق خطط العزل والتطويق. وبما أن جيش الاحتلال في سنواته الأولى كان يعتمد كلياً على التموين البحري القادم من الساحل ويخشى التوغل في الأرض الداخلية المغلقة، فإن مواجهته لمقاومة شاملة ومستمرة كانت ستجعل الكلفة السياسية والعسكرية باهظة جداً على باريس، التي لم تكن مستعدة حينها لخوض حرب استنزاف طويلة، مما قد يدفعها مبكراً لإعادة حساباتها والانسحاب التدريجي قبل ترسيخ المشروع الاستيطاني.

وعلى الصعيد السياسي، كان هذا الاتحاد الكفيل بتجاوز معضلة “الشرعية” التي أحدثت نوعاً من الحذر المتبادل بين القائدين؛ حيث كان أحمد باي يمثل الامتداد الشرعي لإدارة الدولة الحاكمة في العهد العثماني (البايلك)، بينما استمد الأمير عبد القادر شرعيته من الحاضنة الشعبية ومبايعة القبائل له. لو اندمجت هذه القوة الإدارية المنظمة مع الروح الجهادية المرنة والشعبية، لتأسست نواة مبكرة لدولة جزائرية حديثة فرضت شروطها السياسية على القوى الدولية.

للأسف التاريخ اختار منحى آخر

لكن التاريخ، كما وقع فعلاً، اختار مساراً آخر. مساراً سمح فيه لتفكك الجبهات أن يتحول إلى فرصة استراتيجية بيد الاحتلال، وللتباعد أن يصبح أداة حسم بطيء. ومع ذلك، فإن استحضار هذا السيناريو ليس إعادة كتابة للماضي، بل تذكير بأن لحظات التحول الكبرى كانت دائماً تعتمد على قرار واحد: إما وحدة تصنع التاريخ، أو تشتت يتركه يُكتب من الخارج, و بعد سنوات عجاف جاءت ثورة الأول من نوفمبر 1954 المجيدة كدرس مستوعب بعناية، حُسم فيه خيار الوحدة كسبيل وحيد لصناعة التاريخ ونيل الحرية.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram