في تاريخ الثورات الكبرى، هناك رجال حملوا البنادق، وهناك من حملوا الأفكار، لكن القليل فقط استطاعوا أن يحوّلوا العلم نفسه إلى سلاح يزرع الرعب في قلب إمبراطورية استعمارية كاملة. ومن بين أولئك الخالدين يبرز اسم الشهيد طالب عبد الرحمان، ذلك الشاب الجزائري الذي دخل معركة التحرير لا بزيّ الجنرالات، بل بعقل عالم وكبرياء ثائر.
لم يكن الاحتلال الفرنسي يتوقع أن أخطر من يواجهه داخل أزقة العاصمة الجزائرية ليس قائداً عسكرياً تقليدياً، بل طالب جامعي هادئ الملامح، متفوق في الكيمياء والفيزياء، يحوّل المعادلات العلمية إلى ضربات موجعة تهزّ أركان الاستعمار. ففي زمن كانت فرنسا تتباهى فيه بقوتها العسكرية واستخباراتها، خرج من قلب القصبة شاب أثبت أن العقل المؤمن بالقضية قد يكون أخطر من الجيوش نفسها.
وُلد طالب عبد الرحمان سنة 1930 في الجزائر العاصمة، وسط بيئة شعبية صنعت منه رجلاً يدرك مبكراً معنى الظلم والاستعمار. كان متفوقاً في دراسته، شغوفاً بالعلوم الدقيقة، وكان بإمكانه أن يسلك طريقاً مريحاً نحو مستقبل أكاديمي واعد، لكنه اختار طريقاً آخر؛ طريق الثورة والتضحية. أدرك أن الجزائر في تلك المرحلة لم تكن بحاجة إلى الشهادات وحدها، بل إلى عقول توظّف العلم لتحرير الإنسان والأرض.
ومع اشتداد لهيب الثورة الجزائرية، تحولت المعرفة التي امتلكها إلى جزء من المعركة. فداخل غرف صغيرة ومخابئ سرية، بدأ يصنع المتفجرات للمجاهدين، مستعملاً خبرته العلمية في خدمة جبهة التحرير الوطني. لم يكن مجرد منفذ، بل عقل تقني بارع ساهم في تطوير العمل الفدائي خلال “معركة الجزائر”، تلك المعركة التي جعلت فرنسا تشعر لأول مرة أن العاصمة التي كانت تعتبرها “فرنسية” أصبحت أرضاً معادية تنفجر تحت أقدام جنودها.
كانت السلطات الاستعمارية تبحث بجنون عن شبكة معقدة من الخبراء، لكنها صُدمت حين اكتشفت أن الرجل الذي أقلق جنرالاتها وأجهزتها الأمنية مجرد شاب في الثامنة والعشرين من عمره. وهنا بدأت مطاردة شرسة انتهت باعتقاله سنة 1957، بعد أن أصبح اسمه كابوساً حقيقياً للإدارة الاستعمارية.
تعرض الشهيد طالب عبد الرحمان لأبشع أنواع التعذيب داخل السجون الفرنسية، لكن فرنسا التي امتلكت السجون والمقصلة لم تستطع أن تنتزع منه كلمة خيانة واحدة. صمد بصمت الثوار الكبار، ورفض كشف أسماء رفاقه، متحملاً المسؤولية وحده حتى النهاية. كان يعلم أن الاستعمار يستطيع قتل الجسد، لكنه عاجز عن قتل الفكرة.
وفي فجر الرابع والعشرين من أفريل سنة 1958، اقتيد إلى المقصلة داخل سجن بربروس، ذلك المكان الذي حاولت فرنسا أن تحوّله إلى مصنع للموت والترهيب. لكن حتى هناك، انتصر الشهيد على جلاديه. فقبل لحظات من إعدامه، وبينما كان الإمام يلقنه الشهادة، نطق بجملة تحولت إلى وصية ثورية خالدة:
“خذ سلاحاً والتحق بالجبل.”
لم تكن تلك الكلمات مجرد لحظة وداع، بل إعلاناً مدوياً أن الثورة أكبر من الأفراد، وأن الدم الذي يسقط اليوم سيتحول غداً إلى نار تحرق الاستعمار. لقد فهم طالب عبد الرحمان أن المعركة ليست معركة عمر قصير، بل معركة شعب يريد استعادة كرامته مهما كان الثمن.
واليوم، بعد عقود من الاستقلال، يبقى هذا الشهيد رمزاً فريداً لعبقرية الثورة الجزائرية؛ الثورة التي لم تعتمد فقط على السلاح، بل صنعت من الطلبة والعلماء والمثقفين جنوداً في معركة التحرير. لقد أثبت أن الوطن لا يحتاج دائماً إلى أصحاب العضلات، بل إلى أصحاب العقول المؤمنة بقضيتها, و تكريما لشخصه سميت علة اسمه إحدى جامعات مدينة وهران, كي تظل رسالته ممتدة ما بلغ الليل و النهار.
رحل طالب عبد الرحمان بالمقصلة، لكن فرنسا الاستعمارية هي التي خسرت المعركة الحقيقية. لأن الأوطان التي تنجب رجالاً يحوّلون العلم إلى مقاومة، لا يمكن أن تُهزم أبداً.