لو سألت أي مؤرخ اليوم عن نقطة التحول التي غيّرت وجه البحر الأبيض المتوسط، لقال لك دون تردد: إنها عملية الإنزال الأمريكي الحليف في شواطئ أرزيو و خليج المرسى الكبير عام 1942. لكن، على عكس التاريخ التقليدي الذي سارت فيه الأمور نحو تأجيل حرية الشعوب، اختار الأجداد في سيناريو بديل ومشرّف أن يكتبوا التاريخ بأيديهم، مستغلين اللحظة التي ترنحت فيها فرنسا النازفة تحت أقدام النازيين.
هنا نروي قصة “الثورة المبكرة” التي جنّبت الجزائر مجازر الثامن من ماي 1945، وانتزعت الاستقلال بقوة السلاح والدبلوماسية الذكية من خلال تصحيح بعض من قوالب التاريخ المعاصر, الذي يا ليته كان.
انكسار أسطورة “المستعمر الذي لا يقهر”
في صيف عام 1940، كانت الصدمة النفسية في شمال إفريقيا هائلة؛ فرنسا “العظمى” تسقط في أسابيع معدودة وتتحول إلى دولة هزيلة، ممزقة، ومذلولة تحت وطأة الاحتلال الألماني. في تلك اللحظة، حدث شرخ في الوعي المجتمعي للشباب الجزائري. القوة التي كانت توهمهم بأنها قَدَرٌ لا يُردّ، بدت فجأة واهية وضعيفة.
“سقطت باريس.. فبأيّ حقٍّ تحكم الجزائر؟“
— من منشورات الحركة الوطنية السريعة، خريف 1941.
لم ينتظر الشباب الجزائري وعود “ديغول” الكاذبة ولا خطابات “فرنسا الحرة” التي لم تكن ترى في الجزائريين سوى حطبٍ لحروبها. تقرر وقتها القيام برفع زمام المبادرة يجب أن ينتقل الحل إلى أيدي أصحاب الأرض.
السلاح الأمريكي في المرسى الكبير و “كاب كاربون”
جاءت الفرصة التاريخية مع بدء الإنزال البحري لقوات المارينز الأمريكية في نوفمبر 1942 على شواطئ أرزيو، وبالتحديد عند كاب كاربون والمرسى الكبير بالغرب الوهراني.
بينما كانت القوات الأمريكية تركز على تأمين مواقعها ضد قوات فيشي، فتح شباب الحركة الوطنية قنوات اتصال سرية وتجارية مع الجنود الأمريكيين. بفضل الذكاء الميداني، وبتمويل من أعيان وتجار الجزائريين، بدأت أكبر عملية تهريب وشراء سلاح في تلك الحقبة:
-
رشاشات “تومبسون” وسيارات “جيب”.
-
ذخائر وقنابل يدوية أمريكية الصنع.
-
أجهزة لاسلكي متطورة.
تحولت جبال وهران ومغارات “مستغانم” و”معسكر” إلى مستودعات ضخمة للسلاح الحليّف، وباتت النواة الأولى لجيش التحرير المبكر جاهزة للتحرك.
[فرنسا المحتلة نازياً] <--- (ضعف قاتل) ---> [فرنسا الاستعمارية في الجزائر]
|
(ضربة قاضية بسلاح أمريكي)
|
[إعلان الاستقلال المبكر 1944]
الضربة المزدوجة…الثورة العارمة وفرنسا المترنحة
في أواخر عام 1943، وبينما كانت فرنسا تتلقى الضربات في أوروبا، تلقت الضربة القاتلة الثانية في الجزائر. أعلن الشباب الجزائريون الثورة المسلحة الشاملة. لم تكن مواجهة مع دولة عظمى، بل مع بقايا جيش استعماري منهك نفسياً ومشتت الولاءات بين “فيشي” و”ديغول”.
هاجم الثوار الثكنات العسكرية في وهران، العاصمة، وقسنطينة. ولأن فرنسا كانت “مضروبة في مقتل” داخلياً، لم تستطع الصمود أمام الاندفاع الجزائري المدعوم بوعي سياسي وعسكري ناضج. رفض الجزائريون الانجرار وراء وعود الحكم الذاتي أو الاندماج، وكان الشعار واحداً…الاستقلال التام والآن.
النتيجة…تفادي مجزرة 1945 وتزكية الأمم المتحدة
بفضل هذه الثورة المبكرة الخاطفة، نجحت الجزائر في فرض أمر واقع جديد على الساحة الدولية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية.
-
تفادي الكارثة: تفادى الجزائريون بذكائهم مجازر 8 ماي 1945 الرهيبة؛ فبدل أن يخرجوا في مظاهرات سلمية عُزّل ليُذبحوا برصاص الاستعمار، كانوا في هذا السيناريو هم من يملكون زمام القوة وفرض الشروط.
-
الاعتراف الدولي: مع تأسيس ملامح “هيئة الأمم المتحدة” وبضغط من الولايات المتحدة المعجبة بإصرار الجزائريين (والتي كانت ترغب في تقويض النفوذ الاستعماري التقليدي لفرنسا)، نالت الجزائر تزكية دولية كاملة.
وفي منتصف عام 1944، أُعلن رسمياً عن قيام جمهورية الجزائر المستقلة، لتدخل البلاد عصر الحرية مبكراً، وتتحول إلى منارة لجميع الشعوب المستعمرة، معيدة كتابة التاريخ كما كان يجب أن يكون منذ البداية: حرية تُؤخذ بقوة السلاح، ولا تُعطى كصدقة من مستعمر مهزوم.