يُعدّ الشيخ عياض البوعبدلي واحدًا من أبرز العلماء والمصلحين الذين أنجبتهم منطقة وهران، حيث جمع في مسيرته بين العلم والدعوة والوطنية، وظلّ اسمه مرتبطًا بالزاوية البوعبدلية ببطيوة، إحدى أهم الزوايا العلمية والدينية في الغرب الجزائري.
وُلد الشيخ في أسرة علمية عريقة، فهو ابن الشيخ أبو عبد الله البوعبدلي مؤسس الزاوية البوعبدلية، وأخ المؤرخ المعروف المهدي بوعبدلي. وقد نشأ في بيئة دينية وعلمية جعلته يتشبّع منذ صغره بحبّ العلم وخدمة الدين والوطن.
تلقى الشيخ عياض البوعبدلي تعليمه في زاوية والده، قبل أن يواصل تكوينه العلمي بمدرسة تلمسان، حيث تخرّج قاضيًا وعالمًا شرعيًا، كما اشتغل بالتدريس والصحافة خلال أربعينيات القرن الماضي، مسهمًا في نشر الوعي والثقافة في المجتمع الجزائري.
عندما يتحول العلم إلى مقاومة وطنية
ولم يقتصر دوره على التعليم والإصلاح، بل التحق بصفوف الثورة التحريرية سنة 1956 تحت الاسم الحركي “سي أحمد”، وجعل من الزاوية البوعبدلية فضاءً لدعم المجاهدين ومركزًا لخدمة الثورة التحريرية. وقد ظلّ طوال حياته مدافعًا عن قيم الهوية الوطنية والمرجعية الدينية المعتدلة.

رجل الدولة في خدمة الأمن الوطني
بعد استرجاع الجزائر استقلالها سنة 1962، كانت الدولة الفتية بحاجة إلى كفاءات وطنية تجمع بين النزاهة والعلم والانضباط، من أجل إعادة بناء المؤسسات التي خلّفها الاستعمار الفرنسي في حالة من الفراغ. وفي هذا السياق، التحق الشيخ عياض البوعبدلي بجهاز الشرطة، مستفيدًا من تكوينه العلمي وشخصيته الصارمة وروحه الوطنية التي اكتسبها خلال سنوات الثورة التحريرية.
وقد ساهم، إلى جانب عدد من المجاهدين والإطارات الوطنية، في ترسيخ قيم الانضباط والأخلاق داخل المؤسسة الأمنية الجزائرية الناشئة، مؤمنًا بأن بناء الدولة لا يقتصر على السياسة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات تحمي المجتمع وتحافظ على استقراره وفق مبادئ وطنية وأخلاقية.

الشيخ الذي رأى في الرياضة حصنًا للشباب الجزائري
لم تقتصر اهتمامات الشيخ عياض البوعبدلي على العلم والدعوة والعمل الوطني فقط، بل امتدت أيضًا إلى المجال الرياضي، في صورة تعكس شخصية متوازنة كانت ترى في الرياضة وسيلة لبناء الإنسان أخلاقيًا وبدنيًا، وليس مجرد نشاط ترفيهي.
ففي مرحلة ما بعد الاستقلال، كان الشيخ يؤمن بأن الجزائر الجديدة تحتاج إلى شباب قوي في فكره وسلوكه وجسده، لذلك شجّع الأنشطة الرياضية داخل المجتمع، واعتبرها جزءًا من التربية والانضباط اللذين كانت البلاد بحاجة إليهما في سنوات التأسيس الأولى. وقد ارتبط اسمه بعدد من المبادرات الشبابية والاجتماعية التي كانت تجمع بين التكوين الأخلاقي والنشاط الرياضي، خاصة في منطقة بطيوة ووهران.
وكان الشيخ يرى أن الرياضة تحمل قيماً قريبة من المبادئ التي يدعو إليها الدين، مثل الانضباط، والاحترام، وروح الجماعة، والتنافس الشريف، لذلك لم يكن ينظر إليها بعين الرفض أو التحفظ كما كان يفعل بعض رجال الدين في تلك الفترة، بل كان يعتبرها فضاءً لتربية الشباب وحمايتهم من الانحراف والفراغ.

الشيخ عياض برفقة زمرة من المريدين
شيخ الزاوية وحارس الذاكرة الروحية
عُرف عن الشيخ علمه الواسع وحرصه على تكوين الطلبة وإجازة العديد منهم في العلوم الشرعية والقضاء، فكان مرجعًا دينيًا وتربويًا لسنوات طويلة في الغرب الجزائري. كما ارتبط اسمه بحلقات الذكر والوعظ وتعليم القرآن الكريم داخل الزاوية التي حافظت على دورها العلمي والروحي عبر الأجيال.
وفي أكتوبر 2021، رحل الشيخ عياض البوعبدلي عن عمر ناهز 99 سنة، تاركًا خلفه سيرة حافلة بالعطاء العلمي والوطني. وقد أثار خبر وفاته موجة واسعة من التأثر في الأوساط الدينية والثقافية، فيما بعث رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون رسالة تعزية أشاد فيها بمكانته ودوره في خدمة الزاوية والقرآن الكريم وحفظ هوية الأمة الجزائرية.
لقد بقي الشيخ عياض البوعبدلي نموذجًا للعالم الذي جمع بين المعرفة والالتزام الوطني، وبين التربية الروحية وخدمة المجتمع، ليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجزائر كأحد رجالات العلم والإصلاح والجهاد.