ما قل ودل

من سهول المتيجة إلى موائد فرنسا…كيف نهب الاستعمار خيرات الجزائر؟

خراف الجزائر و هي في طريقها نحو النهب باتجاه فرنسا

شارك المقال

أثناء تصفحي لبعض الأشرطة الوثائقية القديمة التي توثق لفترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، استوقفني فيلم نادر أُنجز سنة 1948، أي بعد سنوات قليلة فقط من تحرر فرنسا من الاحتلال النازي بمساعدة آلاف الجزائريين الذين زُجّ بهم في أتون الحرب دفاعاً عن بلد لم يعاملهم يوماً كمواطنين كاملي الحقوق.

الفيلم الوثائقي، الذي أنجزه ما كان يعرف آنذاك بـ”الديوان الجزائري للنشاط الاقتصادي والسياحي”، حمل عنوان “الجزائر… بلاد النوعية”، وهو عنوان يبدو للوهلة الأولى بريئاً، لكنه يخفي خلف مشاهده حقيقة مرة عن كيفية استغلال فرنسا الاستعمارية لخيرات الجزائر وتسويقها للعالم وكأنها ملك خاص لها.

ركز الشريط بشكل لافت على سهول المتيجة وما كانت تنتجه من ثروات فلاحية هائلة، من البرتقال والخوخ والبطيخ إلى مختلف أنواع الخضر والفواكه التي كانت تُزرع في أراضٍ جزائرية خالصة، لكنها كانت تُصدر يومياً نحو الأسواق الفرنسية والأوروبية تحت راية الاستعمار.

كان المعلق في الوثائقي يتحدث بفخر عن “جودة المنتوج الجزائري” وكأنه إنجاز فرنسي، بينما الحقيقة أن تلك الخيرات كانت ثمرة أرض جزائرية سُلبت من أهلها، وعرق فلاحين جزائريين عاشوا التهميش والفقر والتجويع في وطنهم.

واللافت أن هذا الترويج المكثف للمنتوج الجزائري جاء مباشرة بعد مجازر الثامن ماي 1945، حين قمعت فرنسا بوحشية مطالب الجزائريين بالحرية في سطيف وقالمة وخراطة، لتتحول بعدها خيرات الجزائر إلى وسيلة اقتصادية استعانت بها باريس لاستعادة مكانتها الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد كانت الطائرات تقلع يومياً من مطار بوفاريك نحو مرسيليا وباريس محملة بأجود المنتجات الفلاحية القادمة من المتيجة، حتى أصبح الفرنسي يتذوق برتقال الجزائر الطازج مع الساعات الأولى لفتح الأسواق، بينما كان الجزائري البسيط يُحرم حتى من أبسط مقومات العيش الكريم بسبب سياسة التفقير والتجهيل التي انتهجها الاستعمار.

ولم يكن الأمر مقتصراً على المتيجة فقط، فمعظم الأراضي الخصبة في الجزائر كانت تُستغل لخدمة الاقتصاد الفرنسي، في وقت كان فيه الفلاح الجزائري والخماس يعيش أوضاعاً قاسية، يتقاضى أجراً زهيداً بالكاد يكفيه للبقاء على قيد الحياة.

ورغم أن تلك الحقبة أصبحت جزءاً من الماضي، إلا أن الذاكرة الوطنية لا يجب أن تنسى كيف استنزفت فرنسا قدرات الجزائر الزراعية لعقود طويلة، وكيف تحولت أرض كانت توصف بمطمورة أوروبا إلى مصدر ثراء للاستعمار على حساب أهلها.

لكن استحضار هذه الوقائع لا ينبغي أن يكون فقط من باب البكاء على الماضي، بل من أجل التفكير في المستقبل أيضاً. فالجزائر التي كانت قادرة على إطعام أوروبا في زمن الاستعمار، قادرة اليوم على تحقيق أمنها الغذائي إذا ما أُعيد الاعتبار للفلاحة واستغلال الأراضي الشاسعة في الشمال والسهوب والجنوب الكبير وفق رؤية اقتصادية حقيقية.

ويرى مختصون في المجال الفلاحي أن الجزائر تمتلك كل المقومات التي تجعلها قوة زراعية كبرى في إفريقيا والعالم العربي، شرط الاستثمار الجاد في الأرض والمياه والتكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتقليص التبعية للاستيراد الذي يستنزف الاقتصاد الوطني.

فالجزائر التي كانت يوماً مطمورة لغيرها، ينبغي أن تصبح أولاً سلة غذاء نفسها، ثم مصدراً للخير والتنمية داخل القارة الإفريقية، وفاءً لتضحيات الأجداد الذين حُرموا من خيرات أرضهم زمناً طويلاً.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram