ما قل ودل

من قلب الأرشيف الفرنسي…اعتراف صريح بسرقة آثار الجزائر

الآثار الرومانية بشرشال

شارك المقال

في خطوة تعيد فتح ملف الذاكرة التاريخية وا، كشفت وثيقة أرشيفية فرنسية نادرة تعود إلى سنة 1844 عن اعتراف رسمي صريح بعمليات السطو والنهب المنظم التي استهدفت آثار مدينة شرشال خلال الحقبة الاستعمارية.

الوثيقة، التي تم تداولها ضمن سلسلة توثيقية متخصصة في الأرشيف التاريخي، تحمل توقيع المارشال نيكولا جان دو ديو سولت، رئيس الوزراء ووزير الحرب الفرنسي آنذاك، وهي مراسلة رسمية صادرة من وزارة الحرب بباريس بتاريخ السادس من فبراير 1844 وموجهة إلى الإدارة الفرنسية بالجزائر.

وتكتسي هذه المراسلة أهمية بالغة، كونها تمثل اعترافاً مكتوباً من أعلى هرم السلطة العسكرية الفرنسية بوجود تجاوزات خطيرة وعمليات استحواذ ممنهجة على القطع الأثرية الجزائرية، خاصة بمدينة شرشال المعروفة بتاريخها العريق والتي كانت تُعرف قديماً باسم “القيصرية”.

وتكشف الوثيقة أن مسؤولين ووكلاء تابعين للإدارة الاستعمارية قاموا بتجميع قطع أثرية وتحف تاريخية نادرة بطرق غير قانونية، من أجل تكوين مجموعات خاصة قابلة للتداول والتهريب، في واحدة من أخطر عمليات استنزاف الموروث الحضاري الجزائري خلال القرن التاسع عشر.

الأخطر في مضمون الوثيقة، بحسب المهتمين بالأرشيف الاستعماري، هو تأكيدها أن مشاريع البنية التحتية التي أطلقتها الإدارة الفرنسية آنذاك، مثل شق الطرق وبناء الجسور والمستوطنات، لم تكن مجرد مشاريع عمرانية، بل استُغلت أيضاً كغطاء للتنقيب العشوائي عن الكنوز واللقى الأثرية المدفونة.

وبدل الحفاظ على هذه الآثار باعتبارها جزءاً من هوية المنطقة وتاريخها، جرى التعامل معها كغنائم حرب وممتلكات قابلة للنقل نحو فرنسا أو الإدارات المركزية التابعة للاستعمار.

كما تشير المراسلة إلى فرض نظام صارم لجرد القطع الأثرية المكتشفة وإرسال نسخ من السجلات مباشرة إلى وزارة الحرب بباريس، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة لـ”قوننة” السيطرة على الممتلكات الثقافية الجزائرية وإخضاعها للرقابة المركزية الفرنسية.

وجاء في نص الوثيقة ما يفيد بأن وزارة الحرب تلقت معلومات حول “مجموعة أثرية جميلة جداً” جرى تكوينها من التحف المستخرجة من منطقة شرشال، مع الدعوة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً للحد مما وصفته الرسالة نفسها بعمليات “السطو والنهب”.

ويرى باحثون أن هذه الوثيقة تشكل دليلاً تاريخياً مهماً على أن نهب التراث الجزائري لم يكن مجرد تجاوزات فردية معزولة، بل ممارسة منظمة جرت بعلم ومتابعة من أعلى السلطات الاستعمارية الفرنسية.

وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة النقاش المتعلق بملف استرجاع الممتلكات الثقافية الجزائرية المنهوبة، خاصة في ظل تزايد المطالب بإعادة الأرشيف والآثار التي نُقلت إلى فرنسا خلال فترة الاحتلال.

كما تسلط الوثيقة الضوء على حجم الخسائر الحضارية التي تكبدتها الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، ليس فقط على المستوى البشري والاقتصادي، بل أيضاً في ما يتعلق بالذاكرة التاريخية والموروث الثقافي الذي تعرض للنهب والتشويه لعقود طويلة.

ويبقى الأرشيف، بكل ما يخفيه من وثائق وشهادات، شاهداً على مرحلة معقدة من تاريخ الجزائر، ووسيلة مهمة لإعادة قراءة الماضي بعيداً عن الروايات الرسمية التقليدية، في سبيل حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الحقيقة للأجيال القادمة.

المصدر: كواليس الأرشيف الفرنسي

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram