
بقلم أد. عبد القادر بوعرفة
تُعد مهنة الصحافة ركيزة أساس في بناء الوعي المجتمعي وصيانة الأمن الفكري، إلا أنها في السياق الجزائري تواجه تحديات جّمة، أبرزها ضعف التكوين الأكاديمي والمهني لبعض المشتغلين بالحقل الإعلامي. هذا الوضع لا يؤثر سلبًا على جودة الأداء الإعلامي فحسب، بل يمتد ليُشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإعلامي الوطني في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وحروب الجيل الخامس التي تستهدف المجتمعات عبر التأثير النفسي والإعلامي وصناعة السرديات الموجهة.
أزمة التكوين المهني وتداعياتها على الأداء الإعلامي
لقد أصبحت مهنة الصحافة في كثير من الأحيان مهنةً مفتوحةً لكل من شاء الانتساب إليها دون تأهيل أكاديمي أو تكوين مهني رصين، حتى غدا بعض الأفراد يقدّمون أنفسهم بوصفهم صحفيين وهم يفتقرون إلى أبسط أدوات الممارسة الإعلامية ومعاييرها الأخلاقية والمعرفية. وينتج عن هذا الوضع أداء إعلامي ركيك يفتقد إلى الدقة والموضوعية والقدرة على التحليل، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صورة الإعلام ومكانته في المجتمع .
إن الإعلام ليس مجرد نقل للأخبار أو تداول للمعلومات، بل هو سلطة رمزية تؤدي وظيفة معرفية واستراتيجية في بناء الوعي الجماعي وصيانة الأمن الفكري للمجتمع . ومن ثمّ، فإن ضعف التكوين المهني لدى بعض المشتغلين بالحقل الإعلامي يفضي إلى عجزهم عن مواجهة الأخبار المضللة، وتفنيد الإشاعات، وكشف حملات التأثير التي تستهدف الرأي العام . وقد أقر أكاديميون ومتخصصون في الإعلام بأن التكوين الإعلامي في الجزائر يتسم بالضعف والقصور، لكونه لم يعد مواكبًا للتطورات الحديثة .
حروب الجيل الخامس والأمن الإعلامي الوطني
في السياق الجزائري، تزداد خطورة هذا الخلل في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تفرضه حروب المعلومات من تحديات جديدة، حيث أصبحت الدول تواجه أشكالًا معقدة من الاستهداف الإعلامي والسيبراني، تُصنَّف ضمن ما يُعرف بحروب الجيل الخامس . هذه الحروب لا تعتمد على القوة العسكرية التقليدية بقدر اعتمادها على التأثير النفسي والإعلامي وصناعة السرديات الموجهة .
إن انحطاط مستوى أشباه الإعلاميين لا يضر بالمهنة فحسب، بل يضعف الجبهة الإعلامية الوطنية ويحدّ من قدرتها على الدفاع عن صورة البلاد ومصالحها الاستراتيجية . وقد أكد وزير الاتصال السيد زهير بوعمامة على أن مواجهة حروب الجيل الخامس تتطلب جبهة إعلامية موحدة للرد على الهجمات الإعلامية التي تستهدف الجزائر .
إصلاح منظومة الإعلام…التكوين والأخلاقيات والقانون
تبرز الحاجة الملّحة إلى إعادة الاعتبار للتكوين الأكاديمي المتخصص، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وربط ممارسة الصحافة بالكفاءة والمعرفة والمسؤولية . فالإعلام القوي لا يُبنى بالادعاء، بل يُبنى بالخبرة والاحتراف والوعي برسالة الكلمة وأثرها في تشكيل الوعي المجتمعي.
وقد شهدت الجزائر إصدار القانون العضوي المتعلق بالإعلام في عام 2023، والذي تناول مسألة التكوين المستمر للإعلاميين وكرّس مبدأ وصول الصحفي إلى المعلومة . كما أمر الرئيس السيد عبد المجيد تبون باستحداث مجلس أعلى لأخلاقيات مهنة الصحافة، مما يعكس الاهتمام الرسمي بتنظيم المهنة وتعزيز أخلاقياتها .
التوصيات:
لمواجهة التحديات الراهنة وتعزيز الأمن الإعلامي الوطني، يُوصى بما يلي:
1.إصلاح شامل لمنظومة التكوين الإعلامي: عبر مراجعة المناهج الأكاديمية لتواكب التطورات التكنولوجية والمهنية، مع التركيز على الجانب التطبيقي والتكوين المستمر للصحفيين .
2.تفعيل دور مجالس أخلاقيات المهنة: عن طريق تفعيل دور المجالس والهيئات المعنية بأخلاقيات المهنة لضمان الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، ومحاسبة المخالفين .
3.دعم الصحافة الاستقصائية والتحقق من الأخبار: عبر تعزيز قدرات الصحفيين على التحقق من المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة والإشاعات، خاصة في ظل انتشار منصات التواصل الاجتماعي.
4.بناء جبهة إعلامية وطنية موحدة: عبر التصدي لحروب الجيل الخامس تنسيقًا وتعاونًا بين مختلف الفاعلين الإعلاميين لتقديم خطاب إعلامي موحد وقوي يحصن المجتمع ويدافع عن المصالح الوطنية .
5.التوعية بأهمية الأمن الفكري: حيث يجب تكثيف البرامج التوعوية التي تعزز الأمن الفكري للمواطنين، وتنمي لديهم القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة .
إن أزمة التكوين المهني في الصحافة الجزائرية ليست مجرد قضية داخلية تخص المهنة، بل هي تحدٍ استراتيجي يمس الأمن القومي في ظل تعاظم حروب الجيل الخامس. إن إعادة الاعتبار للمهنة من خلال التكوين الرصين، وترسيخ الأخلاقيات، وتطبيق القوانين، ودعم الصحفيين المحترفين، هو السبيل الوحيد لبناء إعلام قوي ومحصن قادر على أداء وظيفته المعرفية والاستراتيجية في حماية المجتمع والدفاع عن مصالح الوطن.