لم تكن ثورة التحرير الجزائرية مجرد مواجهة عسكرية بين شعب أعزل وقوة استعمارية كبرى، بل كانت أيضًا معركة على الذاكرة والهوية والتاريخ. فمع اقتراب فجر الاستقلال سنة 1962، وبعد أن أدركت السلطات الاستعمارية الفرنسية أن مشروع “الجزائر الفرنسية” قد وصل إلى نهايته المحتومة، لم يقتصر المشهد على ترتيبات الانسحاب وتسليم السلطة، بل شهد أيضًا أحداثًا مؤلمة استهدفت جزءًا من الذاكرة الثقافية والحضارية للشعب الجزائري.
خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت الاستقلال، عاشت الجزائر على وقع حالة من الفوضى والعنف، خاصة مع تصاعد نشاط منظمة الجيش السري المعروفة اختصارًا بـ”OAS”، التي تبنت سياسة الأرض المحروقة بهدف عرقلة مسار الاستقلال وإغراق البلاد في الفوضى. وفي هذا السياق تعرضت العديد من المنشآت العمومية والمرافق الحيوية للتخريب والتفجير والحرق.
ومن أكثر الأحداث إيلامًا ما تعرضت له المكتبة الجامعية بالجزائر العاصمة التي التهمتها النيران في السابع من شهر جوان 1962، حيث فُقدت آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة التي كانت تمثل جزءًا من الذاكرة العلمية والثقافية للبلاد. ولم يكن الأمر مجرد خسارة لمجموعة من الكتب، بل كان استهدافًا لرمزية المعرفة نفسها، في لحظة كانت الجزائر تستعد فيها لاستعادة سيادتها وبناء مؤسساتها الوطنية.
كما تشير العديد من الدراسات والشهادات التاريخية إلى أن جزءًا معتبرًا من الأرشيف والوثائق المتعلقة بتاريخ الجزائر نُقل إلى فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، فيما ضاع جزء آخر بسبب الحروب والحرائق وأعمال التخريب التي رافقت نهاية الاحتلال. وقد تحولت قضية الأرشيف الجزائري منذ الاستقلال إلى أحد الملفات التاريخية والسياسية المطروحة بين الجزائر وفرنسا، بالنظر إلى أهميته في توثيق مراحل متعددة من تاريخ البلاد.
لقد أدرك الاستعمار أن خسارة الأرض أمر واقع لا يمكن تجنبه، لكنه كان يدرك أيضًا أن الشعوب التي تحتفظ بذاكرتها وتاريخها تملك القدرة على النهوض من جديد. ولذلك كانت معركة الوثائق والمخطوطات والمكتبات لا تقل أهمية عن المعارك التي خاضها المجاهدون في الجبال والمدن والقرى.
ورغم حجم الخسائر التي تعرض لها التراث الوثائقي الجزائري، فإن الشعب الجزائري استطاع بعد الاستقلال أن يعيد بناء مؤسساته الثقافية والعلمية، وأن يواصل جهوده في جمع أرشيفه واسترجاع ذاكرته الوطنية. كما تمكن الباحثون والمؤرخون من توثيق جانب كبير من جرائم الاستعمار وسياساته، مؤكدين أن الذاكرة الحية لا يمكن أن تُمحى بحريق أو تُدفن خلف جدران الأرشيف المغلق.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، يبقى ملف الأرشيف والمخطوطات والوثائق التاريخية شاهدًا على أن الاستعمار لم يكن صراعًا على الأرض فقط، بل كان أيضًا صراعًا على التاريخ والهوية والذاكرة. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى كذلك بحفظ ذاكرتها وصون تراثها ونقل تاريخها للأجيال القادمة.
لقد رحلت فرنسا الاستعمارية عن الجزائر، لكن معركة الذاكرة ما تزال مستمرة، لأن الأمم التي تعرف تاريخها جيدًا هي الأقدر على حماية مستقبلها.