نعود مرة أخرى إلى السيناريو العكسي أنه لو أرادت الجزائر احتلال فرنسا في مراحل ضعفها، و أن تسلك النهج الاستعماري نفسه الذي سلكته فرنسا عام 1830 المشؤوم، لكان بوسعها ـ في إطار هذا السيناريو الافتراضي ـ أن تستغل الظروف التي كانت فيها فرنسا تستنجد بها في أكثر من مناسبة، وأن تجعل من ذلك مدخلًا لبسط نفوذها على الأراضي الفرنسية. غير أن هذا الاحتلال، حتى لو وقع، لم يكن بالضرورة ليأخذ الصورة البشعة التي اتخذها الاستعمار الفرنسي في الجزائر؛ من مصادرة الأراضي وتجريد السكان من ممتلكاتهم، إلى التفقير والتجهيل والنفي والمجازر، وما ترتب على ذلك من سياسات هدفت إلى تفكيك المجتمع الجزائري ومحو مقوماته وإلحاق أرض الشهداء بمنظومة استعمارية طويلة الأمد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في هذا السيناريو العكسي: فحتى لو امتلكت الجزائر القدرة على احتلال فرنسا، فإن السؤال الأهم ليس هل كانت تستطيع ذلك، وإنما كيف كانت ستتعامل مع فرنسا لو أصبحت هي الطرف الأقوى؟ وهل كانت ستكرر المأساة التي عاشتها الجزائر، أم كانت ستكتب تاريخًا مختلفًا تمامًا؟.
لذا ففي السيناريو التاريخي البديل، نلاحظ أنه لا تُقاس عظَمة الأُمم بحجم القوة العسكرية التي تمتلكها فحسب، بل بالخيارات الأخلاقية والروح الحضارية التي تتخذها عندما تجلس على عرش الغلبة. فلو أن السفن الجزائرية هي التي أبحرت شمالًا في صيف 1830 نحو الشواطئ الفرنسية بدلاً من حملة “دوبورمون”، لكان وجهُ العالم قد تغيّر تمامًا، ولم تكن باريس لتصير مجرد عاصمة مكسورة أو خاضعة، بل كانت لتتحول إلى مجتمع يُعيد صياغة المفهوم الحضاري للتواصل بين شرق المتوسط وغربه تحت اسم “الأندلس الثانية”.
وبعيدًا عن خيارات التدمير أو محو الهوية، كان سيطلق النظام الجديد مشروعًا تنويريًا شاملاً تعاد فيه صياغة المعالم العمرانية لباريس؛ حيث يمتزج الطراز المعماري المغاربي بالجماليات الأوروبية، وتتخلل الأحياءَ الحدائقُ الغنّاء والمكتباتُ المفتوحة. وفي قلب العاصمة، كان سيتم تأسيس “دار الحكمة الباريسية” لتصبح المظلة المعرفية الأكبر في القارة، حيث يتقاطر إليها العلماء والتراجمة من الجزائر وتونس ومصر والأندلس، ليجلسوا جنباً إلى جنب مع نظرائهم من الفرنسيين والإيطاليين والألمان، لتبدأ حركة ترجمة وتلاقح فكري مزدوجة كانت ستجعل أحد المؤرخين الفرنسيين يدوّن في مذكراته الافتراضية: “لم يكن سقوط باريس نهايةً لفرنسا، بل كان بداية لعصر فرنسي جديد”.
غير أن قوة هذا السيناريو تتجلى عند طرح السؤال الأخلاقي الأكبر: ماذا لو قررت الجزائر أن ترد على الاستعمار بأسلوبه، و صادرت الأراضي وهجّرت السكان وحظرت اللغة الفرنسية؟ في تلك الحالة، كانت فرنسا ستعيش مأساة “الاستعمار الجزائري لفرنسا” كنسخة معكوسة من الظلم. لكن الرواية اختارت مسارًا يتجاوز شهوة الانتقام؛ فنظرا للقيم التي يتمتع بها الجزائريون كان سيرفض الحاكم الجزائري أن يتحول المظلوم إلى ظالم بمجرد امتلاكه لزمام القوة، مبرهنًا على أن النصر الحقيقي يكمن في تقديم نموذج التعايش والتسامح بدلاً من إنتاج منظومة القهر كما فعلت فرنسا عندما تأتى لها ذلك.
ومع مرور قرن من الزمان وفق هذا التحول، كنت ستتحول مدن كبرى مثل مرسيليا وليون وباريس إلى حواضر تجارية وفكرية عالمية، حيث تجاور المآذنُ أبراجَ الكنائس، وتنتشر المدارس ثنائية اللغة، وتتشكل طبقة جديدة تجمع الهويتين المغاربية والأوروبية في نسيج مجتمعي متعدد الثقافات.
ويبقى هذا التخيل التاريخي بمثابة مرآة تعكس المفارقة الكبرى للتاريخ الحقيقي الذي بدأ بنزول القوات الفرنسية في سيدي فرج سنة 1830 وما تلاه من احتلال استيطاني طويل، وتطرح التساؤل الحضاري الأهم: هل الانتصار الحقيقي هو أن تُذيق خصمك مرارة المأساة التي تجرعتها، أم أن تملك القوة الكافية لتغيير نهاية القصة برمتها؟