
الأستاذ سي الناصر عبد الحميد
الجزء الثالث
إن المتأمل في كتاب المهاجرين المسلمون في الغرب,بين التزامات الهوية الدينية و مقتضيات المواطنة, والقراءة المتأنية لما جاء فيه من أفكار مهمة ودقيقة تشرح جيدا إشكالية التواجد العربي الإسلامي في الغربّ, وكذا في الأفكار المقترحة كحلول من حيث ّأنها تصور كلي للمأزق الذي يعيشه المهاجر المسلم في بلاد الغربية,ينتبه الى كون هذه الأخيرة,أي المقترحات,تميل إلى تحميل عبئ المسؤولية في تحسين العلاقة بين المهاجر المسلم ومجتمع الغربي الى المهاجر نفسه.
وقد تكون هذه الملاحظة التي يبديها الكتاب موضوعية,باعتبار أن الوافد عليه أن يتأقلم مع الوضع الجديد الذي اختاره بإرادته وبوعي منه، وخاصة أيضا، أن مجال التدافع الذي تفرضه فكرة الهجرة من حيث الهوية الدينية و الثقافية في مقابل مقتضيات المواطنة، ينتمي الى فضاء الأفكار و المبادئ التي يعتقد فيها المجتمع الغربي.
و أن فكرة المواطنة التي هي خلاصة تجربة مريرة نسج تفاصيلها العقل الغربي و أضحت اليوم تحكم هذه المجتمعات، كل هذا يفرض على الدارس الحصيف أن ينتهي إلى هكذا نتائج، إلا أننا وإذا غيرنا معيار النظر وانتقلنا إلى الضفة الأخرى من الرؤية التأملية، سنجد أنفسنا مضطرين إلى التفكير تحت ظروف و معطيات أخرى تفرض شكل آخر من التصور الكلي لعلاقة المهاجر المسلم و العقل الغربي.
و أن انتقال النقاش من المجال التداولي الى مجال الأفكار و الرؤى الكلية المسؤولة على هندسة العلاقات الاجتماعية و التاريخية بين البشر، قد يحدد، كما نعتقد، بشكل دقيق خلفيات هذه الأزمة و قواعدها المؤسسة من جهة و قد يساهم أيضا، في العمل على تذليل الصعاب من أجل إعادة هندسة هذه العلاقة اليوم، إن تمكنت هذه الرؤى الكلية من إحداث مراجعات وتعديلات في ما بنت عليه تصوراتها من مسلمات حين تأسيسها لهذه الرؤى الكلية.
تعد فكرة فصل الدين عن المجال العام للمجتمع، هي الفكرة المركزية في الرؤية الكلية للعقل الغربي، والتي فرضتها التفاصيل التي حكمت علاقة الصراع بين الكنيسة والحركة المعرفية الغربية خلال القرون الوسطى، حيث انتهى هذا الصراع بفرض قواعد العقل وشروطه فانتقلت بذلك السلطة من الدين إلى العقل.
وضحى هذا الأخير هو مصدر المعرفة وينبوع الحقيقة لينتقل بفعل ذلك المجتمع و الانسان الغربي بالخصوص، وبعد قرون من النضال و الإصلاح، برهن فيها العقل على جدارته في التغيير الإيجابي و التحول الحضاري، الى الانعتاق و الحرية والرفاهية والعيش الرغد، كما واستعاد فيها الفرد ثقته بنفسه ودوره في تحقيق النهضة، و قد وصف الكثير من المفكرين الغربيين و الذين اهتموا بدراسة هذه الفترة من تاريخ أوروبا، بالتحول و بالانتقال من العصور المظلمة إلى عصر الأنوار.
فتشكلت بذلك مجتمعات الحداثة بصورتها الراهنة. لترسخ في الأذهان أن فكرة الفصل هذه هي الحقيقة التي ينبغي التشبث بها خاصة، أن الانسان الغربي أضحى اليوم مؤمنا إيمانا راسخا بنجاعة ومصداقية الرؤية العلمانية، فالتاريخ، حسب فوكوياما، لا يمكنه أن يبدع أكثر مما استطاع العقل الغربي ابداعه في المجال العلم والمعرفة والفكر والفلسفي.
وأن الإنسانية لا يمكنها إلا أن تعتمد النموذج الغربي في سعيها للنهضة والنمو والتطور، إذ أن الثورة على المفاهيم الدينية و القطيعة معها هي السبيل المنطقي والواقعي الذي يمكنه أن يدفع بالإنسان الى مجال التحرر و من ثم الابداع و تحقيق الذات، لتتحول فكرة الفصل في الرؤية الغربية الى مسلمة منطقية لا يمكن إثبات صحة الرؤية الغربية إلا بالتسليم بها.
يتبع
المهاجرون المسلمون في الغرب…قراءة نقدية لكتاب بشير خليفي في جزئها الثاني