ترعرع كل منا و خصوصا من هم يقارعون الأربعينيات مثلي فما فوق,على روائع الروايات الثورية التي جسّدت إلى أفلام ملحمية من عيار “العفيون و العصى” و كذا “معركة الجزائر” دون نسيان “أولاد القصبة” الذي هو بيت القصيد اليوم في حكايات الثورة المجيدة في مدينة وهران.
حيث أن صاحب البطولة في هذه القصة لعب تقريبا نفس دور الشرطي في ذات الفيلم الذي اتضح في النهاية بأنه من قادة المجاهدين و العمل الثوري المسلح.
بطل قضتنا اليوم هو الشهيد الهواري بن عربية الذي أخذ المركز الرئيس للصندوق الوطني للتأمينات للعمال الأجراء تسميته بعد الإستقلال,كعربون لما قام به الشهيد من عمل إداري و مسّلح جبار لفائدة الثورة التحريرية المباركة.
ذات الرجل كان يقطن بحي “فيكتور هيغو” الذي يسّمى بالعامية الوهرانية حي “تيريقو”,و كان مثقفا و يكسب قوت يومه من عمل إداري في الصندوق الوطني للتأمينات أناذاك,و كانت كل الدلائل تشير بأن السيد محمد بن عربية بعيد كل البعد عن العمل الثوري.
فالرجل الذي كان دائم التأّنق ببدلة كلاسيكية و ربطة عنق,و يقود دراجة نارية من نوع “فيسبا”,و يحلق شعر رأسه على طريقة “ألفيس بريسلي” الشهيرة,لم يكن أحد من عائلته أو حتى أفراد جيرانه يشّكون و لو لحظة بأنه الرأس المدّبر رقم واحد لكل العمليات الفدائية بمدينة وهران.
الشهيد الهواري بن عربية كان دائم التذّمر من كل من يسّب فرنسا أو نظامها,وعقب تلك التصرفات التي كانت تصدر منه كان كل من في الحي يتحاشى الحديث معه.
حتى أن بعض الجيران ممن تشّبعوا بالحّس الثوري أرادوا في أحد المرّات التخلص منه بحجة أنه يعادي الثورة التحريرية المباركة,و سبق و أن تحّدث أحد الأنفار بأنه يستعد لكي يجهز عليه.
لكن في عشية نفس اليوم تلقى المعني تحذيرا شديد اللهجة من لدن الفدائيين الذين تنقلوا لذات الشخص,و لمن كان يذمر بعض العداء للسي محمد بن عربية و حذّروهم لعاقبة من يقترب من المعني بالعبارة الشهيرة “كل من يتدّنى للسي محمد…الجبهة تحكم عليه بالموت”.
ذات التصرف الذي صدر من أعلى هيئة تنظيمية للثورة التحريرية المباركة في مدينة وهران,جعل الناس خصوصا جيران الشهيد في حيرة من أمرهم عن الشخصية الغامضة التي كان يتقّمصها السي محمد بن عربية.
إلى أن جاء اليوم الموعود,و يبدو أن الشهيد كان قد تعرض لوشاية, وحدث اشتباك مسلح ما بين المعني و مجموعة من أفراد الأمن الفرنسي الذين تتبعوا خطواته و طالبوه بالتوقف بينما فّر هو عبر دراجته النارية,و لم يستطع الفرار من أجله المحتوم الذي لبس من خلاله ثوب عريس الجنة.
في حين يقول عنه رفقاء الشهيد,أنه كان يجتهد في أواخر أيامه للتخلص من الوثائق السرية التي كانت بمثابة العمود الفقري للعمل الثوري بالباهية وهران و كأنه كان يعلم بدنو أجله.
حيث يشير رفقاء سلاح الشهيد,أن المعني تخلص من كل الوثائق بحرقها و رمي الجزء الأكبر منها في المسّطح المائي المالح بالقرب من حي البحيرة الصغيرة,و المعروفة لدى الوهرانيين بتسمية “السبخة”.
و بعدما أشيع خبر استشهاد السي الهواري بن عربية,بدأت الناس تتسائل و تضرب أخماس في أسداس عن عظمة ذات الشخص الذي ظّل طيلة مسيرته الثورية يخفي عن الجميع شخصيته الحقيقية.و غيره في مدينة وهران كثيرون ممن خدموا الثورة تماما مثل الذين خدموها في الجبال بلا مزايدة.
فرحم الله الشهيد الهواري بن عربية و رحم الله كل أسود الثورة التحريرية المباركة الذين سوف نعمل على إبراز مسيرتهم خلال الكتاب المعنون ب”الثورة بعيون أشبالها”,الذي هو قيد النشر في الوقت الراهن و الذي انفردت جريدة “المقال” بمقتطفات احتفاءا بالثورة التحريرية المباركة التي ظلت و ستّظل أم الثورات التحررية في العالم الحديث.