خبرته و حكمته لو كان بيننا كانت ستحل معظم المعضلات السياسية التي يمر بها العالم حديثا,مثلما برع في عهده في نسف كل المؤامرات التي حيكت على العالم العربي و الإسلامي و بلغ برقيه الفكري و تسامحه الديني إلى مرتبة الأولياء و استطاع أن يؤخر احتلال سوريا للعديد من السنوات كما دافع عن طائفة ليست من بني دينه ضد من اعتبرهم ظلمة من بني دينه.
إنه الأمير عبد القادر الجزائري الذي لن نتعرض اليوم و ككل مرة لإنجازاته العسكرية التي برع من خلالها في هزيمة قرابة 150 جنرالا مخضرما من خيرة الضباط الذين نهموا من خبرة نابوليون بونابارت نفسه,حيث استطاع إبن الزاوية القادرية بمنطقة القيطنة أن يعطي الدروس و العبر لخريجي مدرسة “سان سير” العسكرية.
فإبن محي الدين استطاع رغم سنوات من وفاته أن يحفر مكانا له ضمن أرشيف العمالقة و يشهد له بذلك العدو قبل الصديق,فمؤخرا أقيم في باريس معرض مخصص للأمير عبد القادر,أين عرضت مقتنياته و تزاحم المؤرخون على إحصاء خصاله من خلال محاضرات أكاديمية ذات صبغة راقية.
فإبن مدينة القيطنة قيل عنه أنه لو لم يكن فارسا مغوارا لبى نداء الجزائر,لكان عالما و مصلحا يحّج إليه عموم الجزائريين من كل حذب و صوب,و لو لم يمت ميتة الشجعان في سوريا لمات ميتة لا تقل عنها احتراما في بلدته القيطنة,أين كان سيكون وليا صالحا وجب زيارته من كل حدب و صوب لاعتباره عالما و صوفيا و قائدا روحيا.
و أجمع عدة مؤرخين خاضوا خلال حصة تلفزيونية على أحد القنوات الفرنسية مؤخرا أن جهاد الأمير عبد القادر تمازج مع احترامه لحقوق الإنسان,قبل أن تعلن عنها معاهدة جنيف,حيث كان الأمير من الأوائل الذين أحسنوا معاملة الأسرى,و ترك تلك المهمة النبيلة لوالدته “لالا الزهرة” باعتباره كان منهمكا في جهاد المستعمر.
و لم تشغل الأمير ضراوة المعارك حتى ينشغل عن طلب العلم,فلقد خاض إلى جانب العلم الباطني و كل ما تعلق بالتصوف و التبحر,أيضا في علوم الفزياء و الرياضيات و الفلك,و اجتهد في جمع الكتب في عاصمته الزمالة حتى قيل فيه لو لم يكن الأمير قائدا عسكريا لكان عالما في العلوم المذكورة.
و إضافة إلى الموقف النبيل الذي صدر من الأمير في الدفاع عن المسيحيين الموارنة بعد الفتنة التي أرادت من خلالها فرنسا إحتلال سوريا,كان إبن مدينة معسكر ضليعا بتاريخ الأمة العربية و الإسلامية,حيث تشير ملحوظاته التي تحتويها مخطوطاته في رغبته في استعادة الأندلس,فكان يدخر مجهودا لإعادة تحرير ما سلب من المسلمين في غرناطة و قرطبة و مجريط و غيرها من المدن الأندلسية,كيف لا و اللونين الأخضر و الأبيض المستمدان في العلم الجزائري كانت تذكرة بأن تحرير الأندلس أمانة لبني الجيل غذا و هما لونا علم غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس.
إذا فليس غريبا أن يكون هذا القائد الجزائري الفّذ محور ملتقيات عالمية و أطروحات بدرجة الدكتوراه و الأستاذية,فيكفي الجزائريين فخرا أن هاته الأيقونة ولدت و تربت و ترعرعت في الجزائر بلد الأحرار…فرحم الله الأمير و رحم جميع شهداء الحرية.