يعود السادس و العشرون من ماي من كل سنة ليذكرنا بانطفاء نجم الأمير عبد القادر الجزائري الذي غيّبه الموت بعد سنوات من النضال و الكفاح المسّلح قادها ضد جيوش الإمبراطورية الفرنسية الغاشمة التي طبقت على الجزائر سياسة الأرض المحروقة, و كانت أول من ابتدعت الهولوكوست قبل وقوعه في أوشفيتز إن صّح بقرن من الزمان أو يزيد عن ذلك.
انطفأ في مثل هذا اليوم نور مؤسس دعائم أول دولة جزائرية حديثة التي أرادها عبد القادر بن محي الدين أن تكون مرادفة للعلم و التقدم العسكري و كذا الاقتصادي, فكان جواب فرنسا أن لن تعرف الجزائر سوى الجهل و لن تكون سوى مطمورة لفرنسا تسّد جوعها و جوع البلدان الأوروبية التي تجاورها.
الأمير عمل على تنوير الفكر موازاة مع استرداد الأرض
فالأمير عبد القادر من خلال إعلانه الحرب على فرنسا كما فعلها قبله والده محي الدين, كان الغرض من ذلك تنوير الشعب الجزائري و تجهيزه لأجل بناء وطن يكون فيه هو السيد خصوصا من الناحية العلمية, التي كان يركز عليها الأمير عبد القادر الذي انبهر بادئ الأمر بالرسائل التي كانت تأتيه من جنرالات فرنسا أثناء المفاوضات و التي كانت مطبوعة على الآلة الكاتبة, فعندها قال الأمير قولته الشهيرة أن فرنسا استطاعت أن تحتل الجزائر بفضل أول بوادر التطور التكنولوجي الذي تجّسد في تلك الفترة بالنهضة الصناعية أو عصر التنوير.
فالأمير عبد القادر علم أن كلمة السّر كانت هي التطور في العلوم و انعكاسها على الحياة و رقي الأمم, فأول ما قام به إبن منطقة القيطنة كان حّث الشباب إضافة إلى حمل السلاح ضد المستعمر على التبّحر و مجاراة العالم الغربي فيما وصلوا إليه من علم و تقدم.
كان أقصى حلمه عودة الأندلس المفقود
عبد القادر الجزائري كما يحلو للغرب تسميته لم يكن يفكر في استرداد أرض الجزائر المسلوبة حينها فقط, بل مال تفكيره التنويري الذي سبق عصره باسترداد حتى أرض الأندلس التي سبق و أن سلبت, حيث كان يرى أن الوقت حينها كان لا يزال مناسبا لتحقيق ذلك, فكان يرى بأن سقوط الأندلس كان بمثابة اللحظة الفارقة التي جعلت أوروبا تسطو على ميراث أجدادنا العلماء من عيار أبو القاسم المجريطي و ابن رشد و الزهراوي و ابن فرناس و غيرهم, حيث استطاعت أوروبا حسب الأمير عبد القادر أن تنهل من نظريات هؤلاء و حولتها من شقها التظري إلى الجانب التطبيقي الذي سمح لأوروبا بأكملها أن تغوص في العصر التنويري.
هزم حوالي 120 جنرالا فرنسيا من خيرة ضباط نابوليون بونابارت
فلا عجب إن رأيت في راية الأمير اللون الأخضر الذي كان يرمز للجّنة التي فرّط فيها المسلمون في الأندلس و التي رغب الأمير رغم مقاومته الاستعمار في رّدها يوما ما, فالأمير قبل أن يكون عسكريا كان ملّما بعلوم الرياضيات و الكيمياء و علم الفلك قبل أن يلّم بعالم الباطن و أسرار الروحانيات التي تبّصر و تبّحر فيها, حتى جاور أقطاب الصوفية من عيار شيخه الأكبر الكبريت الأحمر محي الدين بن عربي الذي دفن إلى جواره بجبل قاسيون بدمشق.
فالأمير حسب المستشرقين الذين عاصروه و كتبوا عن سيره لم يكن ليلقى الإجماع لدى العالم الغربي لولا تمتعه بالنبوغ و الفكر الذي سبق عصره, فلقد كان بحق داهية في مجال السياسة و عسكريا محنكا, فيكفيه فخرا أنه هزم حوالي 120 جنرالا فرنسيا من خيرة ضباط نابوليون بونابارت الذين سقطوا أمامه كالذباب في معارك لا تزال تدّرس في أشهر الكليات العسكرية العالمية لحد الآن, فلا عجب أن أصبح الأمير قدوة قوات نخبة المارينز الذين صدحوا باسمه مؤخرا احتفالا بذكرى وفاته.
في ذكرى وفاة الأمير عبد القادر…المارينز يعزفون النشيد الوطني الجزائري
عبد القادر أراد للجزائر أن لا تزول بزوال رجالها
فمن بيجو و فيالار و كاسان و لاموريسيير و تريزيل و مونتانياك و غيرهم من الذين اعترفوا بعلو كعب عبد القادر, استطاع الأمير أن يؤّسس لبنة دولة الجزائر الحديثة التي أرادت فرنسا بشتى الطرق أن تقف حجر عثرة أمامها, مثلما تقف اليوم أمام المشروع التنويري الجديد, فالأمير كان بفضل تأسيسه لمصنع السلاح بمليانة يريد استقلال بلاده ليس فقط من الناحية الجغرافية بل بخلق نوع من الاستقلال المعرفي و تحرير العقول من براثن الجهل لتأسيس دولة لن تزول بزوال رجالها مثلما صدح ذات مرة الرئيس الراحل الهواري بومدين.
فكل من أرّخ للأمير عبد القادر لم يمّر ممّر الكرام على تفوقه العسكري الذي عرفته فرنسا به بادئ الأمر, فالأمير عندما كان فتى و جنديا في جيش والده محي الدين أثار التعّجب لدى الفرنسييس, فكان يخترق بفرسه صفوف العدو و في نفس الوقت يتفادى ضربات المدفعية في سيناريو لن يجدي نفعا اليوم سوى على الطراز الهوليويدي.
الأمير وضع فرنسا تحت حذائه
فالامير إضافة إلى تفوقه العسكري الميداني كان مفاوضا بارعا, أين ألزم فرنسا الحّجة حتى و هو صاغر و مسجون ظلما في قصر أومبواز, حيث تم تكذيبه من قبل لاموريسيير حول شروط توقيع اتفاقية وقف العمل العسكري التي كان من بين بنودها اختياره المنفى نحو إحدى البلدان العربية, لكن العكس الذي حدث, و هنا و أمام نابليون الثالث استل من أحد أحذيته النسخة الأصلية من معاهدة رمي السلاح فيها تكذيب صارخ للاموريسيير , أين يشاع بأن ذات الماريشال مات قهرا و اكتئابا على انتصار الأمير عليه.
لا رقّي للأمم بدون اكتساب العلوم…هكذا كان يفكر الأمير عبد القادر
و حتى و إن نحن كتبنا المجّلدات على الأمير عبد القادر لن نوفيه حقه, فالرجل كان موسوعة و موهبة سبقت عصرها بمئات السنين, كيف لا و هو من سّن قانون الأسير خلال الحروب قبل أن تقّره الأمم المتحدة بمائة عام أو يزيد, و هو من نادى بحماية حقوق الأقليات العرقية و الدينية, قبل أن يتشّدق علينا الغرب بذلك, و هو من نّظر لاقتصاد المعرفة أي لا رقّي للأمم بدون اكتساب العلوم, و هو من حلم بجيش عظيم يكون بمثابة القوة الضاربة لبلدنا الجزائر, فرحم الله الأمير عبد القادر و جازاه عنا خير جزاء… و المجد لشهدائنا الأبرار.