ما قل ودل

من الحقل إلى السوق…كيف تضاعف المضاربة أسعار الخضر و الفواكه؟

شارك المقال

تشهد الأسواق الجزائرية في الفترة الأخيرة تزامنا مع شهر رمضان المبارك ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار بعض الخضر الأساسية، حيث بلغ سعر الفاصوليا الخضراء ما بين 600 و800 دينار جزائري للكيلوغرام، بينما وصل سعر الخيار إلى نحو 300 دينار، وسعر الخس أو “السلاطة” إلى حدود 250 ديناراً. هذه المستويات في التسعير لا يمكن تفسيرها فقط بالتقلبات الموسمية المعتادة في القطاع القلاحي، بل تعكس في جوهرها اختلالات بنيوية في منظومة السوق الفلاحية وآليات توزيع المنتجات بين المنتج والمستهلك و هو ما أشارت إليه مخرجات مجلس الوزراء الذي انعقد اليوم و الذي شدد من خلاله رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على الضرب بيد من حديد فيما يخض ظاهرة المضاربة التي باتت تمثل بعبعا للمواطنين خصوصا ذوي الدخل المحدود.

اقتصاد المضاربة…ذلك الغول الذي ينهك جيوب المواطن

من الناحية الاقتصادية، لا يتحمل الفلاح في كثير من الحالات المسؤولية المباشرة عن الأسعار المرتفعة التي تصل إلى المستهلك. فالفلاح غالباً ما يبيع منتوجه بأسعار منخفضة نسبياً في أسواق الجملة، لكن الأسعار تتضاعف عدة مرات خلال انتقال المنتج عبر سلسلة طويلة من الوسطاء قبل وصوله إلى السوق بالتجزئة.
هذا النمط من التداول يخلق ما يسميه الاقتصاديون “تضخم الوساطة”، حيث تصبح القيمة المضافة الناتجة عن عمليات الوساطة أعلى من القيمة المرتبطة بالإنتاج الفلاحي نفسه. ومع غياب تنظيم صارم لهذه السلسلة التجارية، تتحول الوساطة في بعض الحالات إلى أداة للمضاربة ورفع الأسعار دون مبررات إنتاجية حقيقية.

تشديد الرقابة وتنظيم الأسواق أهم الحلول

تلعب الرقابة الاقتصادية دوراً محورياً في ضمان التوازن بين العرض والطلب داخل الأسواق. غير أن ضعف آليات المراقبة في بعض الحالات يسمح بظهور ممارسات تؤثر مباشرة على مستوى الأسعار، من بينها تخزين الخضر بشكل متعمد لخلق ندرة مصطنعة، أو رفع الأسعار بشكل غير مبرر في أسواق التجزئة، إضافة إلى تسويق المنتجات خارج القنوات الرسمية المنظمة.
هذه السلوكيات تخلّ بآليات السوق الطبيعية وتؤدي إلى تضخم أسعار غير مرتبط بالعرض الحقيقي للمنتجات الزراعية.

تحديات النقل و تقلبات المناخ

يمثل النقل أحد العناصر الأساسية في تحديد أسعار المنتجات الفلاحية. ففي بلد واسع المساحة مثل الجزائر، تنتقل الخضر في كثير من الأحيان لمسافات طويلة من مناطق الإنتاج الفلاحي إلى المدن الكبرى.
أي اضطراب في منظومة النقل أو ضعف في البنية التحتية اللوجستية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، لأن سوق الخضر يعتمد أساساً على تدفق يومي ومستمر للمنتجات الطازجة التي لا يمكن تخزينها لفترات طويلة دون تجهيزات مناسبة, لكن هذه الحجج يتستر من خلالها المضاربون لفرض منطقهم على سوق الخضر و الفواكه فيصبحون المتحكمون الرئيسيون في رفع أسعار أو خفضها على طريقة البورصة الافتراضية.

و إضافة إلى ذلك تلعب التقلبات الجوية دورا مهما في تغير أسعار الخضر و الفواكه, حيث يبقى القطاع الفلاحي بطبيعته شديد الحساسية للتغيرات المناخية. فموجات البرد القاسية أو الجفاف أو تأخر التساقطات المطرية قد تؤدي إلى تراجع الإنتاج أو انخفاض المردودية الزراعية، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم العرض في الأسواق.
وعندما يتراجع العرض في ظل طلب استهلاكي مستقر أو متزايد، فإن الأسعار ترتفع تلقائياً وفقاً لقوانين السوق.

 القضاء على الوساطة و المضاربة ضمن أولويات رئيس الجمهورية

رغم تعدد العوامل المؤثرة في الأسعار، فإن المشكلة الأساسية تكمن في غياب منظومة متكاملة لتنظيم السوق الفلاحية و هو ما شّدد عليه رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء الذي انعقد اليوم حيث. فالكثير من الخبراء يشيرون إلى ضرورة تطوير أدوات حديثة لتنظيم التوزيع الفلاحي، مثل إنشاء مخازن تبريد استراتيجية تسمح بتخزين الفائض من الإنتاج، وتطوير منصات توزيع مباشرة تربط الفلاحين بالمستهلكين دون وسطاء متعددين، إضافة إلى رقمنة أسواق الجملة من أجل تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار.

التحكم في الأسعار يحتاج لسياسة ردعية

إن مسألة ارتفاع أسعار الخضر تتجاوز كونها مشكلة اقتصادية ظرفية، لتتحول إلى قضية مرتبطة بالسيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية. فاستقرار أسعار المواد الغذائية الأساسية يشكل أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً بالنسبة للطبقات ذات الدخل المحدود التي تتأثر بشكل مباشر بأي ارتفاع في تكاليف المعيشة.

في هذا السياق، يظل المطلب الأساسي للمواطن بسيطاً وواضحاً: سوق منظمة وعادلة، أسعار شفافة تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج، وسياسات فعالة تحمي القدرة الشرائية وتضمن توازناً مستداماً بين المنتج والمستهلك داخل الاقتصاد الوطني.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram