بدأت مؤشرات التوتر تتصاعد مجددًا حول مضيق جبل طارق، بعد تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تغير لافت في الصياغات الدبلوماسية المستخدمة داخل أروقة وزارة الخارجية الأمريكية بخصوص مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية في شمال إفريقيا. ورغم أن الأمر يبدو في ظاهره مجرد تعديل لغوي داخل “وثيقة إحاطة” مسربة، إلا أن اختيار عبارة “الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية” بدل “الأراضي الإسبانية” فتح باب التأويلات حول احتمال وجود مراجعة أمريكية هادئة لمقاربتها تجاه هذا الملف الحساس.
هذا التغيير، وإن لم يرقَ إلى مستوى الموقف الرسمي المعلن، يعكس مناخًا دوليًا متغيرًا بدأت فيه القوى الكبرى تعتمد سياسة “الغموض الاستراتيجي” في ملفات السيادة المعقدة. فواشنطن، التي تربطها علاقات عسكرية قوية مع المغرب، خاصة عبر مناورات الأسد الإفريقي، تجد نفسها في موقع دقيق بين حليفين أساسيين في الضفة الغربية للمتوسط؛ المغرب من جهة، وإسبانيا العضو المحوري في حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى.
الغسيل الوسخ لأمريكا ينشر علنا
الأخطر في المشهد ليس فقط ما قيل، بل ما لم يُقل. فامتناع الخارجية الأمريكية عن تأكيد صريح بشأن شمول سبتة ومليلية بمظلة الحماية التي توفرها المادة الخامسة من معاهدة الناتو، أعاد طرح تساؤلات قديمة حول هشاشة التوازنات الأمنية في المضيق. وإذا كانت المظلة الأطلسية قد نجحت لعقود في تجميد النزاعات السيادية داخل الفضاء الغربي، فإن تصاعد الحديث عن تراجع الالتزام الأمريكي تجاه الحلف يهدد بإعادة إحياء ملفات تاريخية كانت مؤجلة لا أكثر.
في هذا السياق، يبرز مضيق جبل طارق كأحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، تمامًا كما هو حال مضيق هرمز في الخليج. فمن يسيطر على هذا المعبر البحري يتحكم فعليًا في بوابة المتوسط الغربية، وفي جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي. ولهذا السبب لم يعد المضيق مجرد ممر مائي، بل تحول إلى مركز ثقل جيوسياسي تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى.
التقارير المتداولة حول احتمال تصدع وحدة الناتو تضيف بعدًا أكثر خطورة. فمع تصاعد الدعوات داخل أوروبا لبناء استقلال عسكري بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، بدأت تظهر تباينات حادة بين مشروع “السيادة الأوروبية” الذي تدفع نحوه باريس وبرلين، وبين الرؤية الأطلسية التقليدية التي تتمسك بها لندن وواشنطن. هذا الانقسام يجعل من القواعد العسكرية في جبل طارق وروتا الإسبانية نقاط تماس محتملة بدل أن تبقى أدوات دفاع جماعي موحد.
الهيمنة البريطانية على المحك
ويبدو أن بريطانيا نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة بعد “البريكست”، خاصة مع إعادة إحياء ملف جزر المالوين من قبل الأرجنتين، في خطوة يراها مراقبون محاولة لاستنزاف النفوذ البريطاني عالميًا. وإذا اضطرت لندن لتوزيع جهودها بين جنوب الأطلسي والبحر المتوسط، فإن قدرتها على فرض توازن الردع في جبل طارق قد تتراجع، وهو ما قد يشجع قوى إقليمية ودولية على اختبار حدود النفوذ البريطاني في المنطقة.
وفي الخلفية، تتحرك قوى أخرى بصمت ولكن بثبات. فالتواجد الروسي في المتوسط انطلاقًا من القواعد السورية، إلى جانب الاستثمارات الصينية الضخمة في موانئ شمال إفريقيا، يؤكد أن المتوسط لم يعد فضاءً مغلقًا تحت السيطرة الأطلسية المطلقة. لقد أصبح مسرحًا متعدد الأقطاب، تتجاور فيه السفن الحربية مع مشاريع البنية التحتية العملاقة، بينما تتحول الكابلات البحرية وشبكات الملاحة إلى أهداف استراتيجية في أي صراع محتمل.
العالم على موعد مع حرب الممّرات
كل ذلك يجعل من مضيق جبل طارق “ترمومترًا” حقيقيًا لقياس مستقبل النظام الدولي. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة يبدو اليوم أمام مرحلة إعادة توزيع للنفوذ، حيث تتراجع اليقينيات القديمة لصالح تحالفات مرنة ومصالح متغيرة. وإذا كان مضيق هرمز قد تحول خلال السنوات الماضية إلى ورقة ضغط جيوسياسية في الشرق الأوسط، فإن جبل طارق قد يصبح النسخة المتوسطية لهذا التوتر، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا ترتبط بأوروبا والناتو والتنافس العالمي على الممرات البحرية.
في النهاية، قد لا تكون الحرب القادمة حرب دبابات وجيوش تقليدية، بل حرب نفوذ وسيادة واقتصاد وممرات استراتيجية. وحين تصبح المضائق البحرية أدوات ضغط دولي، فإن أي شرارة سياسية صغيرة قد تكون كافية لإشعال واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العالم.