ما قل ودل

باحتضانها أيتام مجازر الثامن ماي…خيرة بنت بن داود تصنع التاريخ الإنساني

شارك المقال

في صفحات الذاكرة الوطنية الجزائرية، لا تُكتب البطولات فقط بالبندقية والمواجهة المسلحة، بل تُخلد أيضاً بمواقف إنسانية عظيمة صنعتها نساء ورجال آمنوا بأن الوطن لا يُبنى إلا بالتضامن والتكافل. ومن بين تلك الأسماء التي تستحق أن تُروى سيرتها للأجيال، تبرز شخصية المناضلة الوهرانية خيرة بنت بن داود التي سطرت واحدة من أروع الملاحم الإنسانية عقب مجازر مجازر 8 ماي 1945.

بعد المجازر الدامية التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في سطيف وقالمة وخراطة، وجد عشرات الأطفال أنفسهم مشرّدين وسط الغابات والقرى المدمرة بعدما فقدوا عائلاتهم تحت آلة القمع الاستعماري. في تلك الظروف القاسية، لم تكتف خيرة بنت بن داود بالحزن أو التنديد، بل تحركت بقلب أم وروح مناضلة نحو المناطق المنكوبة، لتجمع 45 طفلًا تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات واثنتي عشرة سنة، قبل أن تعود بهم عبر القطار إلى وهران.

وكان في استقبالها بمحطة القطار بحي “بلاطو” عدد من الوطنيين والمناضلين المعروفين آنذاك، يتقدمهم الشيخ سعيد الزموشي، إلى جانب أسماء وطنية بارزة مثل سي كحلول حبيب وشرفاوي وستي بنت القايدة حليمة وأحمد مطهري وغوتي بومدين وغيرهم. وتحولت لحظة وصول الأيتام إلى مشهد وطني مؤثر امتزجت فيه الزغاريد بدموع الفرح، في صورة جسدت عمق التضامن الجزائري ووحدة الشعب رغم جراح الاستعمار.

لكن ما قامت به خيرة بنت بن داود لم يتوقف عند إنقاذ الأطفال من الضياع والتشرد، بل واصلت رسالتها الإنسانية من خلال السهر على رعايتهم وتوزيعهم على عائلات وهرانية احتضنتهم كأبنائها، ليكبروا وسط الحب والرعاية والأمان بعد أن حاول الاستعمار حرمانهم حتى من حق الطفولة.

لقد أثبتت هذه المرأة الاستثنائية أن وهران لم تكن مجرد مدينة بعيدة عن مسرح المجازر، بل كانت قلبًا نابضًا بالوطنية والتضامن. كما ساهمت خيرة بنت بن داود بمالها الخاص في إنشاء عيادة لعلاج الجزائريين بحي المدينة الجديدة، في وقت كان فيه الاستعمار الفرنسي يمنع الجزائريين من العلاج داخل مستشفى “بلاطو” المعروف اليوم باسم مستشفى الدكتور بن زرجب، حيث كانت الخدمات الصحية مخصصة للمعمرين الفرنسيين دون غيرهم.

وتكشف هذه الوقائع حجم الوعي الوطني الذي كانت تعيشه وهران قبل اندلاع الثورة التحريرية، خاصة وأن المدينة شهدت في الفاتح من ماي 1945 مظاهرات وطنية انطلقت من حي الحمري نحو المدينة الجديدة ثم إلى ساحة “بلاص دارم”، وسط تنسيق كبير بين مناضلين أمثال حمو بوتليليس وسويح الهواري وزدور إبراهيم، في مشهد يؤكد أن الوعي الوطني كان قد ترسخ بقوة في مختلف المدن الجزائرية.

إن قصة خيرة بنت بن داود ليست مجرد حكاية إنسانية عابرة، بل درس عميق في الوطنية والرحمة والتضحية. فهي امرأة اختارت أن تواجه وحشية الاستعمار بالفعل لا بالكلام، وأن تمنح الأمل لأطفال فقدوا كل شيء. ولذلك ستظل سيرتها جزءًا من ذاكرة الجزائر، وواحدة من الصفحات المضيئة التي تؤكد أن الشعب الجزائري انتصر ليس فقط بالسلاح، بل أيضًا بقيم الإنسانية والتكافل التي حافظت على تماسكه في أحلك الظروف.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram