ما قل ودل

من بوزيد سعال إلى 45 ألف شهيد…مجازر 05 ماي 1945 أيقظت ضمير أمة

شارك المقال

بقلم الأستاذة سعاد بسناسي

كانت الثّورة الجزائريّة ثمرة تراكم طويل من النّضال ضدّ الاستعمار الفرنسيّ الذي سلب الأرض والهويّة والحريّة. تمثّلت أهدافها الكبرى في استرجاع السّيادة الوطنيّة، وتحرير المجتمع الجزائريّ من الاستعباد، وإعادة الاعتبار للثّقافة واللّغة والدّين وكلّ مكوّنات الهويّة الوطنيّة. لقد شكّلت الثّورة مدرسة في التّضحية والوحدة، حيث التفَّ الشّعب بمختلف فئاته حول مطلب الاستقلال والكرامة.

مجازر الثّامن ماي 1945…الشّرارة المأساويّة

في الثَّامن من ماي 1945، بينما كان العالم يحتفل بنهاية الحرب العالميّة الثّانية، خرج الجزائريّون في مدن مثل: (سطيف، وقالمة وخرّاطة) في مظاهرات سلميّة مطالبين بالحريّة والاعتراف بحقّهم في تقرير المصير. لكن الاستعمار الفرنسيّ واجه هذه المطالب بالحديد والنّار والعنف، فارتكب مجازر بشعة راح ضحيّتها عشرات الآلاف من الأبرياء، حيث أُطلقت النّيران على المتظاهرين، وأُحرقت القرى، ونُفذت حملات اعتقال وإعدامات جماعيّة. ولم تكن المجازر مجرَّد رد فعل عابر، بل كانت سياسة ممنهجة لإخماد صوت الحريّة. وتشير التّقديرات إلى سقوط ما بين 45 ألف إلى 80 ألف شهيد في ظرف أسابيع قليلة. هذه الأحداث تركت جرحًا عميقًا في الذّاكرة الوطنيّة، لكنّها أيضًا أيقظت الوعي الجمعيّ بأنّ الاستقلال لن يُمنح بل يُنتزع بالقوّة. لقد أدرك الجزائريّون أنَّ الاستعمار لا يفهم سوى لغة المقاومة المسلَّحة.

مجازر الثَّامن ماي 1945 ليست مجرّد حدث دمويّ في تاريخ الجزائر، بل هي محطّة مفصليّة كشفت الوجه الحقيقيّ للاستعمار الفرنسيّ، وأكَّدت أنَّ الحريَّة لا تُمنح بل تُنتزع. هذه المجازر التي قادتها قوّات الاحتلال، من جيش وشرطة وميليشيّات أوروبيّة، كانت الشّرارة التي أيقظت الوعي الوطنيّ ومهّدت الطريق لثورة نوفمبر 1954.

كان القمع الوحشيّ الذي شهدته مدن سطيف، وقالمة وخرّاطة منظَّمًا ومخطَّطًا. استخدم الجيش الفرنسيّ المدفعيّة والطّائرات لقصف القرى، بينما تولَّت الشّرطة إطلاق النَّار على المتظاهرين السّلميّين. المستوطنون الأوروبيّون شكّلوا ميليشيّات مسلّحة شاركت في عمليّات القتل والحرق، وفي محاولة لإخماد أيّ صوت يطالب بالحريّة. جسّدت هذه القوى مجتمعة سياسة استعماريّة لا تعرف سوى العنف.

خرج في سطيف، آلاف الجزائرييّن في مظاهرة سلميّة يوم 8 ماي 1945، رافعين شعارات الاستقلال ومطالبين بإطلاق سراح الزّعيم (مصالي الحاج). رفع الشّاب (بوزيد سعّال) العلم الوطنيّ، فأطلق عليه شرطيّ فرنسيّ النّار ليسقط شهيدًا، ويصبح رمزًا لبداية المجازر. إلى جانبه، برز اسم (البشير عمرون) الذي ساهم في إعداد العلم الوطنيّ، وسقط هو الآخر ضحيّة القمع. شكّلت تلك الأسماء، إلى جانب آلاف الشّهداء المجهولين، لوحة التّضحية الأولى في طريق الاستقلال. وبعد سقوط (بوزيد سعّال)، تحوّلت المظاهرات إلى حمام دمّ. أطلقت القوّات الفرنسيّة النّار عشوائيًّا، وبدأت عمليّات اعتقال واسعة. في قالمة وخراطة، تمّ قصف القرى بالطّائرات، وأُحرقت المنازل، ونُفّذت إعدامات جماعيّة في واحدة من أبشع الجرائم ضدّ الإنسانيّة في القرن العشرين.

لقد كانت مجازر الثّامن ماي نقطة تحوُّل تاريخيّة؛ فكشفت الوجه الحقيقيّ للاستعمار، وأسقطت أوهام الإصلاح التّدريجيّ أو الوعود الكاذبة. وأكّدت أنَّ الحريَّة ثمنها غالٍ، وأنَّ وحدة الشّعب وإصراره هما السّبيل الوحيد لتحقيق النَّصر. كما أنَّها تذكير دائم للأجيال بأنَّ الاستقلال لم يكن هديّة، بل نتيجة دماء وتضحيّات جسام. وإنَّ استحضار مجازر الثّامن ماي ليس مجرَّد واجب تاريخيّ، بل هو رسالة للأجيال الجديدة بضرورة الحفاظ على مكتسبات الاستقلال، وصون الذَّاكرة الوطنيّة، والتّمسّك بالوحدة والكرامة. فكما كانت تلك المجازر بداية الوعي الثّوريّ، يجب أن تكون اليوم منارةً لتجديد العهد مع الوطن وحماية سيادته.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram