بعيداً عن صخب المدن الفرنسية الساحلية، وعلى بعد أمتار قليلة من مدينة كان، ترقد واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في ذاكرة الجزائر الاستعمارية. هناك، في جزيرة سانت مارغريت، توجد مقبرة صامتة تضم رفات مئات الجزائريين الذين اقتُلِعوا من أرضهم ونُفوا قسراً خلال القرن التاسع عشر، في محاولة فرنسية لكسر روح المقاومة الجزائرية بعد احتلال البلاد, خصوصا بعد نهاية المقاومة الباسلة للأمير عبد القادر.
بين سنوات 1840 و1880، قامت السلطات الاستعمارية الفرنسية بترحيل ما بين 800 و1000 جزائري إلى هذه الجزيرة المعزولة، وكان أغلبهم من أفراد “الزمالة” التابعة للأمير الأمير عبد القادر، إلى جانب عائلاتهم وأقاربهم. لم يكن الأمر مجرد نقل أسرى، بل عملية اقتلاع جماعي استهدفت رجالاً ونساءً وأطفالاً اعتبرهم الاستعمار جزءاً من البيئة الحاضنة للمقاومة.
تقع الجزيرة ضمن أرخبيل ليرين، وتفصلها عن الساحل الفرنسي مسافة قصيرة لا تتجاوز 1100 متر، لكنها بالنسبة لأولئك المنفيين كانت عالماً كاملاً من العزلة والقهر. جزيرة محاطة بالمياه والغابات، تبدو اليوم هادئة وسياحية، لكنها كانت بالنسبة للمئات من الجزائريين سجناً مفتوحاً ومقبرة بعيدة عن الوطن.
ومع مرور السنوات، تحولت الجزيرة إلى مدفن جماعي للمنفيين الجزائريين الذين قضوا بسبب المرض والجوع وقسوة الظروف. وتشير المعطيات التاريخية إلى وجود حوالي 600 قبر لمعتقلين جزائريين دُفنوا هناك، وما تزال آثار قبورهم ظاهرة إلى اليوم من خلال الدوائر الحجرية التي تحيط بها، وكأن الحجارة نفسها ترفض أن تبتلع النسيان أسماء أولئك الذين ماتوا غرباء بعيداً عن أرضهم.
إن الحديث عن هذه المقبرة المنسية لا يتعلق فقط بتاريخ السجون والنفي، بل يكشف جانباً آخر من السياسات الاستعمارية الفرنسية التي اعتمدت على التهجير والعزل لتفكيك المجتمع الجزائري وإضعاف المقاومة. ففرنسا لم تكتفِ بالحرب العسكرية داخل الجزائر، بل نقلت المعركة إلى البحر والجزر والمنافي البعيدة، محاولة دفن القضية الجزائرية بعيداً عن الأنظار.
لكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الصفحات لا تزال مجهولة حتى لدى أجيال من الجزائريين. فبينما تُعرف جزيرة سانت مارغريت في الذاكرة الفرنسية بقصة “الرجل ذي القناع الحديدي”، تختبئ تحت ترابها ذاكرة أخرى أكثر مأساوية، ذاكرة مئات الشهداء والمنفيين الجزائريين الذين انتهت حياتهم في عزلة قاسية لأنهم انتموا لشعب رفض الخضوع للاستعمار.
إن وجود هذه المقبرة اليوم يطرح أسئلة عميقة حول الذاكرة التاريخية وضرورة إعادة الاعتبار لأولئك المنسيين. فهؤلاء لم يكونوا مجرد سجناء مجهولين، بل جزء من ملحمة المقاومة الجزائرية في بداياتها الأولى، حين كانت فرنسا تحاول إخماد روح التمرد التي أشعلها الأمير عبد القادر ورجاله.
ورغم مرور أكثر من قرن ونصف على تلك المأساة، لا تزال دوائر الحجارة فوق القبور شاهدة على قصة شعب دفع ثمن حريته حتى خارج حدوده. إنها ليست مجرد مقبرة في جزيرة فرنسية، بل قطعة من الذاكرة الجزائرية المدفونة في قلب المتوسط، تنتظر من يعيد سرد حكايتها للأجيال حتى لا يبتلعها النسيان.
المصادر:
- أرشيفات ووثائق تاريخية فرنسية حول معتقلي جزيرة سانت مارغريت
- دراسات متعلقة بمنفى أفراد الأمير عبد القادر الجزائري وزمالته خلال القرن التاسع عشر