استقبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اليوم السبت، الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، والتي سلمت له رسالة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة تعكس استمرار قنوات التواصل السياسي بين الجزائر وفرنسا رغم حساسية الملفات العالقة بين البلدين, ورافق الوزيرة المنتدبة, سفير جمهورية فرنسا بالجزائر, السيد ستيفان روماتيه.
اللقاء الذي جرى بحضور عدد من كبار المسؤولين الجزائريين، من بينهم أحمد عطاف وإبراهيم مراد، إضافة إلى المستشار الدبلوماسي لرئيس الجمهورية عمار عبة، حمل في طياته أبعاداً سياسية وتاريخية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، خاصة وأن زيارة مسؤولة فرنسية مكلفة بملف “قدامى المحاربين” ترتبط بشكل مباشر بملف الذاكرة الاستعمارية الذي لا يزال يشكل إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقات الثنائية.
ويأتي هذا اللقاء في سياق مرحلة دقيقة تشهد فيها العلاقات الجزائرية الفرنسية محاولات متكررة لإعادة بناء الثقة، بعد فترات من التوتر السياسي والإعلامي المرتبط بملفات الذاكرة والهجرة والتصريحات المتبادلة. كما يتزامن مع تصاعد النقاش داخل فرنسا حول ضرورة معالجة الإرث الاستعماري بطريقة أكثر صراحة ووضوحاً، خاصة فيما يتعلق بجرائم الاستعمار ومجازر الحقبة الكولونيالية.
ويرى متابعون أن اختيار مسؤولة مكلفة بقدامى المحاربين لحمل رسالة من الإليزيه إلى الجزائر يحمل دلالة رمزية مهمة، باعتبار أن ملف الذاكرة لم يعد قضية تاريخية فقط، بل تحول إلى عنصر أساسي في صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين. فالجزائر تواصل التأكيد على ضرورة الاعتراف بالحقيقة التاريخية كاملة، بينما تحاول باريس الموازنة بين متطلبات الذاكرة وضغوط الداخل الفرنسي المعقدة.
كما تعكس هذه الزيارة إدراكاً فرنسياً متزايداً لأهمية الجزائر كشريك استراتيجي في المنطقة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها حوض المتوسط ومنطقة الساحل الإفريقي. فالجزائر اليوم ليست مجرد طرف في معادلة ثنائية مع فرنسا، بل فاعل إقليمي مؤثر يمتلك ثقلاً دبلوماسياً متزايداً في ملفات الطاقة والأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تبدو الجزائر حريصة على إدارة علاقتها مع فرنسا وفق مقاربة تقوم على الندية والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق التبعية أو الضغوط السياسية. وهو ما يفسر اعتماد القيادة الجزائرية في السنوات الأخيرة خطاباً يربط أي تقارب حقيقي مع باريس بضرورة معالجة الملفات التاريخية العالقة بروح من المسؤولية والوضوح.
ورغم أن مضمون رسالة الرئيس الفرنسي لم يُكشف عنه رسمياً، إلا أن توقيت الزيارة وطبيعة الوفد المرافق لها يعكسان وجود رغبة متبادلة في الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الدولي الحالي والتحديات المشتركة التي تواجه البلدين.
ويبقى ملف الذاكرة، بكل ما يحمله من جراح وتفاصيل مؤلمة، الاختبار الحقيقي لأي محاولة لبناء علاقة مستقرة ومستقبلية بين الجزائر وفرنسا. فالتاريخ لا يمكن تجاوزه بالصمت، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى جسر للحوار إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة من الطرفين.