داء السيلياك ليس مجرد حساسية عابرة، بل مرض مزمن يجعل الجسم عاجزاً عن تحمل مادة “الغلوتين” الموجودة في القمح والشعير ومشتقاتهما. وبالنسبة للطفل المصاب، يصبح الغذاء العادي الذي يراه الجميع أمراً بسيطاً، خطراً صحياً حقيقياً قد يؤدي إلى آلام حادة، سوء امتصاص، فقر دم، تأخر في النمو وإرهاق دائم.
لكن المأساة الحقيقية في بلادنا لا تقف عند حدود المرض فقط، بل تتجاوزها إلى معاناة البحث اليومي عن غذاء خالٍ من الغلوتين. فالكثير من العائلات تجد نفسها أمام أسعار مرتفعة للمواد الغذائية الخاصة بمرضى السيلياك، مع نقص واضح في توفرها داخل الأسواق والمحلات الكبرى، خاصة في بعض الولايات الداخلية. وهكذا تتحول “الفرينة الخاصة” أو قطعة البسكويت المناسبة إلى عبء ثقيل على ميزانية الأسرة.
الأصعب من ذلك أن الطفل المصاب يشعر أحياناً بالعزلة داخل محيطه الاجتماعي. ففي المدرسة، قد يراقب زملاءه وهم يتناولون المأكولات العادية بينما يُمنع هو منها. وفي المناسبات العائلية، يضطر إلى السؤال قبل أن يأكل، وكأنه يحمل قلقاً أكبر من سنه الصغيرة. لذلك فإن مرض السيلياك ليس صحياً فقط، بل نفسي واجتماعي أيضاً.
وفي السنوات الأخيرة، ارتفع صوت الجمعيات وأولياء الأطفال المرضى للمطالبة بإجراءات أكثر فعالية، أهمها:
- توفير المواد الخالية من الغلوتين بأسعار مدعمة.
- إدراج مرض السيلياك ضمن الأولويات الصحية المزمنة.
- مراقبة التجار والمضاربين الذين يستغلون حاجة المرضى.
- تخصيص وجبات مناسبة داخل المدارس والمستشفيات.
- نشر التوعية المجتمعية حول طبيعة المرض لتفادي التنمر أو التهميش.
إن الطفل المصاب بالسيلياك لا يطلب امتيازات خاصة، بل حقاً بسيطاً في الغذاء الآمن والحياة الكريمة. فحين يصبح الخبز “دواء”، يصبح توفيره مسؤولية إنسانية قبل أن تكون صحية أو اجتماعية.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه النداءات إلى خطوات عملية، حتى لا يبقى أطفال السيلياك في الجزائر أسرى معركة يومية مع الطعام، وهم الذين يستحقون طفولة طبيعية مليئة بالحياة، لا بالخوف من لقمة قد تؤذيهم.