تعيش الساحة السياسية الفرنسية منذ سنوات على وقع صعود الخطاب اليميني المتطرف الذي حاول تقديم نفسه باعتباره “البديل النظيف” عن الأحزاب التقليدية، مستنداً إلى شعارات محاربة الفساد والدفاع عن الشفافية والأخلاق السياسية. غير أن التطورات الأخيرة المرتبطة بحزب التجمع الوطني أعادت فتح النقاش حول التناقض القائم بين الخطاب والممارسة داخل هذا التيار السياسي.
فبعد الأزمة القضائية التي واجهتها مارين لوبان في قضية تتعلق باستعمال أموال البرلمان الأوروبي، برز اسم جوردان بارديلا في إطار تحقيقات أوروبية مرتبطة بشبهات سوء استخدام أموال مخصصة لنشاطات داخل البرلمان الأوروبي. وتشير تقارير إعلامية إلى أن النيابة الأوروبية فتحت تحقيقاً أولياً بشأن تمويل دورات تدريب إعلامي يُشتبه في توظيفها لأغراض سياسية داخلية، بينما ينفي بارديلا وحزبه أي مخالفة ويعتبران الأمر جزءاً من “استهداف سياسي”.
هذه القضايا، سواء انتهت بإدانات أو بقيت في إطار التحقيق، تطرح إشكالاً أعمق يتعلق بالطريقة التي يسوّق بها اليمين المتطرف نفسه داخل المجتمعات الأوروبية. فالأحزاب الشعبوية غالباً ما تبني شعبيتها على مهاجمة “النخب الفاسدة” وتقديم نفسها كقوة أخلاقية جديدة، لكن حين تقترب من مراكز النفوذ والمال، تجد نفسها بدورها أمام اختبارات الشفافية والمحاسبة.
وفي فرنسا تحديداً، اعتمد الخط اليميني المتطرف لسنوات على استراتيجية إعلامية تقوم على صناعة صورة “السياسي النظيف القريب من الشعب”، مع التركيز على مهاجمة الإعلام التقليدي واتهامه بالانحياز والتضليل. غير أن المفارقة تكمن في أن جزءاً من هذا الإعلام نفسه أصبح لاحقاً محل انتقادات وفضائح أضعفت الصورة الأخلاقية التي حاول تصديرها للرأي العام.
و على ذكر مكارم الأخلاق اتي صدع بها الإعلام اليميني رؤوس الخلائق, ظهرت إلى العلن مؤخرا فضيحة من العيار الثقيل أبطالها فريق جريدة “لوفيغارو” الذين تبث تعاطي جل صحافييها المخدرات الصلبة “الكوكايين” خلال حفل صاخب احتضنه مقر الصحيفة و هو ما أثار تساؤلات عن كبيعة صحفيي هاته الجريدة الذين ما انفكوا يهاجمون دولا بأكملها و في مقدمتها الجزائر التي لم تسلم من أخبارهم المضللة, حتى اتضح أن العيب كل العيب في لب هذه الجريدة التي انضمت بعد هذه الفضيحة بامتياز لنادي الجرائد الصفراء
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت الشعبوية الأوروبية مجرد آلة دعائية تتغذى على الغضب الشعبي دون أن تقدم نموذجاً سياسياً مختلفاً فعلاً؟ فحين تتحول شعارات النزاهة إلى أدوات انتخابية فقط، يصبح سقوط الصورة مسألة وقت لا أكثر.
كما تكشف هذه الأزمات أن الديمقراطيات الغربية، رغم قوة مؤسساتها، ليست محصنة من تناقضات المال الفاسد والسياسة والإعلام المضلل. فالخطاب المتشدد ضد الفساد لا يكفي وحده لبناء المصداقية، لأن المعيار الحقيقي يبقى في احترام القانون والشفافية وخضوع الجميع للمحاسبة دون استثناء.
وفي خضم هذه التطورات، تبدو فرنسا مقبلة على مرحلة سياسية معقدة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية المقبلة، حيث قد تؤثر هذه الملفات على صورة اليمين المتطرف الذي حاول لسنوات تقديم نفسه كقوة “منقذة” من فساد الطبقة السياسية التقليدية.
لكن الواقع السياسي يثبت مرة أخرى أن الشعبوية، مهما ارتفعت نبرتها الأخلاقية، لا تعني بالضرورة امتلاك حصانة ضد أخطاء السلطة وإغراءات المال والنفوذ.