ما قل ودل

الفنون القتالية المختلطة في الجزائر…بين غياب التأطير وخطر “الفرجة الدموية”

شارك المقال

تحولت رياضة الفنون القتالية المختلطة خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متنامية في الجزائر، خاصة وسط فئة الشباب المتأثرين بالمحتوى الرياضي العالمي ومنصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا الانتشار المتسارع، الذي كان إلى وقت قريب يمارس في الخفاء داخل المستودعات والفضاءات غير المهيكلة، أصبح اليوم يتم بشكل علني في بعض المدن، على غرار وهران، وسط تساؤلات متزايدة حول الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم هذه الرياضة في بلادنا.

وحسب ما استقته جريدة “المقال”، فإن العديد من النزالات المنظمة حالياً تجرى خارج أي رقابة فعلية أو تأطير طبي ورياضي صارم، رغم أن رياضة الفنون القتالية المختلطة لم تتحصل بعد على اعتماد رسمي واضح يسمح بممارستها ضمن هيكلة رياضية وطنية متكاملة تخضع للقوانين المعمول بها في مجال الرياضة الاحترافية.

وتقوم هذه الرياضة على المزج بين عدة اختصاصات قتالية، من بينها الجوجيتسو، والغرابلينغ، والمصارعة، والكيك بوكسينغ، والملاكمة، وهو ما يجعلها من أكثر الرياضات خشونة واحتكاكاً بدنياً. ورغم أن هذه الرياضات تخضع عالمياً لقوانين دقيقة ولجان طبية صارمة، إلا أن الملاحظ محلياً هو غياب الكثير من معايير السلامة، خاصة فيما يتعلق بالفحوصات الطبية الدورية، ومراقبة الإصابات الدماغية، وفترات الراحة الإلزامية بعد الضربات القاضية.

والأخطر من ذلك، أن بعض النزالات باتت تُنظم من طرف مؤثرين وصناع محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار البحث عن المشاهدات والإثارة أكثر من الاهتمام بالجانب الرياضي أو الصحي. فتحولت بعض المنافسات إلى عروض استعراضية يغيب عنها التأطير التقني والطبي الحقيقي، بينما يتعرض المشاركون لإصابات قد تكون خطيرة على المدى الطويل.

ويحذر مختصون في الطب الرياضي من خطورة التهاون مع الضربات القاضية المتكررة، خاصة تلك التي تؤثر على الدماغ والجهاز العصبي، حيث تؤكد القوانين الدولية في بعض الرياضات القتالية ضرورة إخضاع الرياضي لفترة راحة ومراقبة طبية قد تمتد لأسابيع أو أشهر بعد التعرض لإغماء أو ارتجاج قوي، وهو ما لا يتم احترامه دائماً في بعض المنافسات العشوائية.

كما يثير هذا الوضع مخاوف مرتبطة باستقطاب القُصّر والشباب نحو نزالات تفتقر أحياناً إلى الضمانات القانونية، في ظل غياب هيئة واضحة تتولى المتابعة والتقنين والتأطير، الأمر الذي قد يفتح الباب مستقبلاً أمام حوادث خطيرة أو مآسٍ رياضية كان بالإمكان تفاديها.

إن تشجيع الرياضات القتالية في حد ذاته ليس أمراً سلبياً، بل بالعكس يمكن أن يساهم في تطوير اللياقة والانضباط وروح المنافسة، لكن ذلك يبقى مشروطاً بوجود إطار قانوني واضح، وتأطير طبي صارم، ومدربين مؤهلين، وهيئات رسمية تتحمل مسؤولية المتابعة والمراقبة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لتدخل الجهات الوصية من أجل وضع حد للفوضى التنظيمية التي بدأت تحيط برياضة الفنون القتالية المختلطة في الجزائر، حمايةً لصحة الشباب، وضماناً لتحويل هذه الرياضة من “فرجة خطيرة” إلى ممارسة رياضية مؤطرة وآمنة تحترم القوانين والمعايير الدولية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram