في سلسلتها “جريدة المقال تعيد كتابة ما لم يحدث”، نعود هذه المرة إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ أوروبا والعالم الإسلامي و هي معركة بواتييه التي عرفت إسلاميا بمعركة بلاط الشهداء، تلك المواجهة التي جرت بين جيش المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي وقوات الإفرنج بقيادة شارل مارتيل.
في الرواية الأوروبية التقليدية، تُقدَّم المعركة باعتبارها اللحظة التي “أنقذت أوروبا” من التوسع الإسلامي، بينما يرى عدد من المفكرين والمؤرخين، من بينهم “جوستاف لوبون”، أن توقف المّد الإسلامي لم يكن مجرد انتصار عسكري للإفرنج، بل هو حتما بمثابة خسارة حضارية كبرى لأوروبا نفسها.
لكن… ماذا لو حدث العكس؟
ماذا لو نجح عبد الرحمن الغافقي في تثبيت وجود المسلمين شمال فرنسا؟ ماذا لو لم يتوقف الزحف الإسلامي عند حدود الأندلس؟ كيف كان سيبدو وجه أوروبا اليوم؟
لو انتصر المسلمون في بواتييه، لربما أصبحت فرنسا جزءاً من الامتداد الحضاري للأندلس، ولتحولت باريس إلى مدينة تحمل روح قرطبة وإشبيلية وغرناطة. وربما كانت شوارعها اليوم تتزين بالأقواس الإسلامية والحدائق المائية والنقوش الأندلسية، بدل الطابع القوطي الذي يميز كثيراً من معالمها الحالية.
قد يكون نهر السين محاطاً بمكتبات علمية ومدارس للطب والفلك والفلسفة، كما كان الحال في قرطبة التي أضاءت أوروبا بالعلم في زمن كانت فيه القارة تعيش عصور الظلام. وربما كانت الجامعات الفرنسية تدرّس باللغة العربية إلى جانب اللاتينية، باعتبارها لغة العلم والحكمة في ذلك العصر.
ولو امتد الحكم الإسلامي شمالاً، لكان من الممكن أن تتشكل أوروبا مختلفة تماماً، أكثر اختلاطاً بين الشرق والغرب، وأكثر انفتاحاً على العلوم والفنون القادمة من بغداد ودمشق والقيروان. وربما كانت النهضة الأوروبية ستبدأ أبكر بعدة قرون، لأن الجسر الحضاري بين العالم الإسلامي وأوروبا كان سيتحول من حدود متوترة إلى فضاء موحد للمعرفة والتبادل.
كما أن حلم طارق بن زياد بتأمين الحدود الشمالية للأندلس كان سيأخذ بعداً استراتيجياً أوسع، خاصة أن بعض الروايات التاريخية تشير إلى أنه كان يرى ضرورة مواصلة التوسع لتجنب بقاء الأندلس معزولة وسط بيئة معادية، وهو الطرح الذي لم يلقَ الإجماع داخل القيادة الأموية آنذاك.
وفي هذا السيناريو المتخيل، ربما كانت باريس اليوم تضم مساجد تاريخية تعود إلى القرن الثامن الميلادي، وربما كانت أسماء شوارعها تحمل آثاراً عربية وأمازيغية، وربما كان المطبخ الفرنسي نفسه يحمل بصمة أندلسية أوضح بكثير مما هو عليه الآن.
لكن التاريخ اختار مساراً آخر
انسحب المسلمون من بواتييه لأسباب عسكرية وتكتيكية معقدة، لتبقى تلك المعركة نقطة فاصلة بين عالمين، ولتتحول الأندلس لاحقاً إلى جزيرة حضارية معزولة انتهت بسقوطها بعد قرون من الازدهار.
ورغم أن كل هذا يبقى في دائرة الخيال التاريخي، إلا أن السؤال يظل مثيراً…كم مرة غيّرت معركة واحدة شكل الحضارة الإنسانية بالكامل؟
فأحياناً، لا يحتاج التاريخ سوى إلى خطوة مختلفة… حتى يولد عالم آخر تماماً.