يروي الباحث جورج صليبا مساراً فكرياً طويلًا بدأ منذ طفولته داخل بيئة مسيحية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى الإلحاد لسنوات طويلة، ثم يعود إلى البحث عن الإيمان من زاوية مختلفة، وفق ما يقدمه من شهادات شخصية حول تجربته.
طفولة داخل بيئة دينية وأسئلة مبكرة
يقول صليبا إنه وُلد في عائلة مسيحية ونشأ في محيط قريب من الكنيسة، ما جعله يعيش أجواء دينية تقليدية منذ صغره. غير أنه منذ سن مبكرة بدأ يميل إلى التفكير النقدي وطرح الأسئلة، بدل الاكتفاء بالممارسات الشعائرية.
ومع بلوغه حوالي الثانية عشرة من عمره، بدأت تتشكل لديه تساؤلات عقائدية عميقة، خصوصاً حول مفاهيم دينية مركزية مثل التثليث وتجسد الإله، وهي أفكار – بحسب روايته – لم يكن يجد لها إجابات مقنعة بالنسبة له في تلك المرحلة.
من التساؤل إلى الإلحاد
يضيف أنه مع مرور الوقت ابتعد تدريجياً عن الممارسة الدينية، ودخل مرحلة فكرية امتدت قرابة 25 سنة، وصفها بأنها المرحلة الإلحادية التي ركّز خلالها على القراءة والدراسة والبحث الفلسفي، دون اعتقاد ديني.
وخلال هذه الفترة، كما يقول، كان ينظر إلى الأسئلة الوجودية من زاوية علمية وفكرية بحتة، في محاولة لفهم معنى الحياة والكون بعيداً عن الأطر الدينية التقليدية.
يشير صليبا إلى أن نقطة تحول جديدة بدأت خلال فترة دراسته الجامعية في التشيك، حيث اطّلع على مفاهيم علمية حديثة، من بينها النظرية النسبية لأينشتاين، والتي دفعته – حسب تعبيره – إلى إعادة التفكير في مسألة وجود خالق للكون، دون أن يكون لديه تصور واضح عن هويته أو طبيعته.
بعد هذه المرحلة، بدأ رحلة بحث جديدة عن فكرة الإله من منظور مختلف، واطّلع على نصوص دينية وتأملات فكرية، من بينها قراءات في القرآن كما يذكر، حيث وجد – بحسب وصفه – خطاباً يعتمد على التوحيد المباشر والعلاقة غير الوسيطة بين الإنسان والخالق.
ويرى أن ما جذبه في الإسلام هو بساطة مفهوم التوحيد وربطه بالعقل والتفكر، وهو ما دفعه إلى مواصلة البحث حتى اتخذ قرار إعلان إسلامه بعد سنوات طويلة من الإلحاد.
بين الطمأنينة والجدل الاجتماعي
يؤكد صليبا أن تجربته بعد التحول الديني منحتْه شعوراً بالطمأنينة والاتساق الداخلي، مقارنة بسنوات الشك والأسئلة المستمرة. كما يلفت إلى أن تفاعلات محيطه الاجتماعي كانت متباينة، مشيراً إلى أنه لم يواجه مشكلة كبيرة عندما كان ملحداً، بينما أثار قراره الجديد نقاشات وردود فعل مختلفة.
وفي خلاصة تجربته، يشجع صليبا على عدم الاكتفاء بالموروث الفكري دون تمحيص، داعياً إلى البحث والتساؤل وطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والمعنى، معتبراً أن الاقتناع الفكري بالنسبة له جاء نتيجة رحلة طويلة من التأمل لا من ضغط اجتماعي أو عاطفي.
وتبقى هذه القصة، كما يقدمها صاحبها، مثالاً على المسارات الفكرية المعقدة التي قد يعيشها الإنسان بين الإيمان والشك