لم يعد المسرح مجرد مرآة تعكس الواقع الاجتماعي أو السياسي بقوالبه التقليدية، بل أضحى في وهران مختبراً حقيقياً تمتزج فيه خشبة الركح بالمعادلات العلمية الدقيقة. هذا ما يثبته المخرج والمسرحي القدير محمد ميهوبي، الذي يواصل دفع عجلة التجديد الفني من خلال ما يُعرف بـ “المسرح التكنولوجي”، مقدماً عرضاً مميزاً يحمل عنوان “الأستاذ طالب”.
العرض، الذي يستضيفه مسرح الجيب “الأمل” (بدار الشباب مبارك الميلي بوهران)، يأتي متزامناً مع رمزية تاريخية وطنية غالية، وهي اليوم الوطني للطالب (19 ماي)، ليربط بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر المعرفي.
من جبهة السلاح إلى جبهة القلم والتكنولوجيا
العرض في جوهره يوجه تحية تقدير وعرفان إلى جيل الطلبة الجزائريين الذين اتخذوا في 19 ماي 1956 قراراً تاريخياً بترك مقاعد الدراسة والالتحاق بالثورة التحريرية، مؤكدين أن “العلم يمكن أن يخدم الوطن تماماً مثل السلاح”.
واليوم، يرى ميهوبي أن معركة بناء الجزائر المستقبليّة تتطلب سلاحاً من نوع آخر: إنه التحكم في التكنولوجيا والعلوم. ومن هذا المنطلق، لا يكتفي العرض بالجانب الاحتفالي، بل يتحول إلى “درس تكنولوجي فوق الركح” يجمع بكفاءة بين خفة ظل الفكاهة وعمق المعرفة والمسرح العلمي الجاد.
“ميكانيك بحري” على خشبة المسرح
مكمن الإثارة في تجربة “الأستاذ طالب” هو اقتحامها لمجال علمي تخصصي بحت، وهو “الميكانيك البحري”، وتحويله إلى مادة درامية مشوقة. فوق الخشبة، يعيش الجمهور تجربة بصرية وتعليمية تفكك مصطلحات معقدة وتبسطها بأسلوب فني تفاعلي، ومنها:
-
الطفو والتوازن والهيدروديناميكا البحرية: كيف تتحدى السفن القوانين الفيزيائية للمياه؟
-
المحركات والأنظمة الميكانيكية البحرية: تشريح ديناميكي لحركة الآلة.
-
الدفع والمراوح، والاهتزاز والصوت: كيف تتحول الطاقة إلى حركة تدفع بالبلاد نحو الأمام.
رهان على “الذكاء والمعرفة”
إن هذا النمط من المسرح العلمي والتكنولوجي يثبت أن الحاضنة الثقافية في وهران قادرة على ابتكار قوالب فرجة ركحية تخرج بالشباب والطلبة من تلقين الدروس الجافة في المدرجات إلى رحابة التفاعل الفني.
“الأستاذ طالب” ليس مجرد مسرحية، بل هو دعوة مفتوحة لكل طالب يبني مستقبل الجزائر بالعلم والإبداع، ليؤكد أن الركح يتسع لكل الأفكار، وأن الفن الحقيقي هو الذي يضيء العقول ويسهم في بناء مجتمع المعرفة.