تزامناً مع إحياء الذكرى الحادية والثمانين بعد المائة لمحرقة الفراشيح التي ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي في جوان 1845، أعلن مخبر الدراسات الإعلامية والاتصالية وتحليل الخطاب برئاسة البروفسور العربي بوعمامة من جامعة مستغانم عن صدور كتاب أعمال الملتقى الوطني السابع الموسوم بـ”محرقة الفراشيح وثورة الشيخ بومعزة في الذاكرة الوطنية”، في خطوة علمية جديدة ترمي إلى تعزيز جهود التوثيق التاريخي وحفظ الذاكرة الوطنية من خلال البحث الأكاديمي الرصين.
ويعد هذا الإصدار ثمرة أشغال الملتقى الوطني السابع الذي نظم يوم 19 جوان 2023 بالتنسيق مع بلدية النكمارية، حيث شكل آنذاك حدثاً أكاديمياً وتاريخياً مميزاً باعتباره أول ملتقى علمي يحتضنه الموقع التاريخي لغار الفراشيح نفسه، المكان الذي شهد واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية التي ارتكبتها فرنسا في حق الجزائريين خلال القرن التاسع عشر.
وقد جمع الملتقى نخبة من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في التاريخ والإعلام والذاكرة الوطنية، حيث قدموا مداخلات ودراسات تناولت مختلف أبعاد محرقة الفراشيح وثورة الشيخ بومعزة، سواء من الناحية التاريخية أو الاجتماعية أو الإعلامية، ما أتاح بناء رؤية علمية متكاملة حول هذه المحطة المفصلية من تاريخ المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.
ويضم الكتاب الصادر حديثاً مجموعة من البحوث والدراسات التي سلطت الضوء على ظروف اندلاع ثورة الشيخ بومعزة، وأسباب المواجهة التي قادها سكان المنطقة ضد القوات الاستعمارية، كما تطرقت إلى تفاصيل محرقة الفراشيح التي بقيت شاهداً دامغاً على وحشية السياسة الاستعمارية الفرنسية وأساليبها القمعية في مواجهة المقاومات الشعبية الجزائرية.
ولم يقتصر الكتاب على المعالجة التاريخية فحسب، بل أولى اهتماماً خاصاً لدور الإعلام والصحافة في توثيق هذه الجريمة الاستعمارية وحفظها في الذاكرة الجماعية للأمة. فقد تناولت العديد من الدراسات الواردة فيه كيفية حضور محرقة الفراشيح في الخطاب الإعلامي الوطني، ورصدت مساهمة الصحافة والمؤرخين والباحثين في إبقاء هذه الأحداث حية في الوعي الوطني، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال المتعاقبة بعيداً عن النسيان أو التشويه.
كما يقدم الإصدار قراءة معمقة لمختلف المصادر والوثائق والشهادات التي تناولت أحداث الظهرة وثورة الشيخ بومعزة، ويبرز أهمية التوثيق العلمي في استعادة الوقائع التاريخية وإعادة قراءتها وفق مقاربات أكاديمية حديثة تستند إلى المصادر الأصلية والشهادات الموثقة.
ويأتي نشر هذا الكتاب في إطار السياسة العلمية التي ينتهجها مخبر الدراسات الإعلامية والاتصالية وتحليل الخطاب بجامعة مستغانم، والهادفة إلى تحويل أعمال ملتقياته العلمية إلى مراجع أكاديمية متاحة للباحثين والطلبة والمهتمين بقضايا التاريخ والذاكرة والإعلام. كما يعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن البحث العلمي يمثل إحدى أهم الوسائل الكفيلة بصون الذاكرة الوطنية وحماية التاريخ من محاولات التزييف أو الإهمال.
إن صدور هذا الكتاب لا يمثل مجرد إضافة جديدة إلى المكتبة الجامعية الجزائرية، بل يشكل مساهمة نوعية في مسار استعادة الذاكرة الوطنية وتثمين تضحيات المقاومات الشعبية التي سبقت ثورة التحرير الكبرى. كما يؤكد أن الجرائم الاستعمارية، مهما طال الزمن، تبقى حاضرة في وجدان الأمة بفضل جهود الباحثين والمؤرخين والمؤسسات الأكاديمية التي تواصل العمل من أجل حفظ الحقيقة التاريخية ونقلها للأجيال القادمة.
وبذلك يواصل البحث العلمي الجزائري أداء رسالته في خدمة الذاكرة الوطنية، عبر توثيق المحطات المضيئة والمآسي الكبرى التي شكلت مسار الشعب الجزائري في نضاله الطويل من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.