ما قل ودل

لا تغيّروا السائق…أصلحوا القطار أولًا

شارك المقال

Aucune description de photo disponible.

مساهمة عبد القادر بن عبو -أستاذ رياضة بدنية-

في كل مرة يُقصى فيها منتخب وطني أو يفشل نادٍ كبير في تحقيق أهدافه، ترتفع الأصوات مطالبة بتغيير المدرب، وكأن الرجل الجالس على دكة البدلاء هو المسؤول الوحيد عن سنوات من التسيير العشوائي، وضعف التكوين، وغياب التخطيط. لكن الحقيقة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها هي أن كرة القدم ليست مجرد لعبة تُلعب فوق المستطيل الأخضر، بل هي انعكاس لمنظومة كاملة، بل ومرآة حقيقية للدولة والمجتمع.

فالمنتخب القوي لا يُصنع في أشهر معدودة، ولا تصنعه المعجزات، بل تبنيه المؤسسات، وتؤسسه المدارس والأكاديميات، وتدعمه القوانين والبنى التحتية، ويكبر في بيئة يسودها الانضباط والشفافية والتخطيط طويل المدى.

كرة القدم اقتصاد قبل أن تكون نتائج

في العالم الحديث، أصبحت كرة القدم صناعة حقيقية بمليارات الدولارات. حقوق البث التلفزيوني، عقود الرعاية، التسويق الرياضي، الاستثمارات، وتكوين العلامات التجارية للأندية والمنتخبات كلها عوامل تصنع القوة الرياضية.

وعندما تكون المؤسسات الرياضية شفافة وتُدار باحترافية، فإن المستثمرين يتدفقون إليها، أما عندما تسود الفوضى والارتجال، فإن رأس المال يهرب، وتبقى الأندية والمنتخبات تعيش على الأزمات.

كرة القدم تربية وصناعة إنسان

مركز التكوين ليس مجرد ملعب صغير وبعض الكرات، بل هو مدرسة حقيقية تُخرج لاعبًا متعلمًا ومنضبطًا وواعيًا بمسؤولياته داخل الملعب وخارجه.

أما عندما يغيب التكوين، فإننا نجد لاعبين موهوبين ينتهون كرويًا في سن الخامسة والعشرين بسبب الإصابات، أو سوء التوجيه، أو غياب التأطير النفسي والتربوي.

كما أن اللاعب الدولي ليس مجرد رياضي، بل هو قدوة لملايين الأطفال. وعندما يرى الناشئة لاعبًا يشتم الحكام أو يتصرف بطريقة غير لائقة ويتم الدفاع عنه إعلاميًا، فإننا نزرع في الأجيال القادمة ثقافة الفوضى بدل ثقافة الاحترام والانضباط.

كرة القدم صحة وسياحة وتنمية

الملعب الحديث، والفندق الجيد، والطرق المهيأة، والمراكز الطبية الرياضية، كلها عناصر تجعل كرة القدم رافعة اقتصادية وسياحية.

فالدول التي تنظم الأحداث الرياضية الكبرى لا تبحث فقط عن النتائج الرياضية، بل عن الترويج لصورتها أمام العالم، وجلب السياح والاستثمارات، وتحويل الرياضة إلى محرك للتنمية.

أما عندما يصبح الذهاب إلى الملعب مغامرة والخروج منه كارثة، فإننا لا نخسر مباراة فقط، بل نخسر صورة بلد بأكمله.

لا يمكن بناء المستقبل بالترقيع

إن مركز تكوين يُفتتح اليوم قد يمنح المنتخب الوطني جيلاً من اللاعبين بعد ثماني أو عشر سنوات. ومشروع رياضي حقيقي يحتاج إلى الصبر والتخطيط والاستمرارية.

لكن مشكلتنا أننا نريد تحقيق الإنجازات في ثلاثة أشهر، وننتظر من مدرب جديد أن يحل أزمات تراكمت لعقود. نكسر ما بنيناه بالأمس، ثم نعود للترقيع، ثم نبحث عن المنقذ الأجنبي ليكمل ما عجزنا عن بنائه.

القطار المعطوب

يمكن تشبيه كرة القدم بقطار كبير:

  • السكة هي القوانين والهيكلة والتنظيم.
  • المحرك هو التكوين والبنية التحتية.
  • العربات هي الأندية والمنتخبات.
  • الركاب هم اللاعبون والإعلام والجمهور.
  • أما السائق فهو المدرب.

فهل يعقل أن يكون القطار معطوبًا من كل الجهات، ثم نعتقد أن تغيير السائق وحده سيقودنا إلى الوجهة الصحيحة؟

الجواب واضح: القطار سيخرج عن السكة عند أول منعطف، وربما حتى في الخط المستقيم.

أصلحوا المنظومة لا الواجهة

إذا أردنا كرة قدم قوية فعلينا بناء منظومة كاملة:

  • قوانين واضحة.
  • تسيير شفاف.
  • مراكز تكوين حقيقية.
  • بنية تحتية عصرية.
  • احتراف فعلي لا شكلي.
  • إعلام رياضي مسؤول.
  • جمهور واعٍ ومنضبط.

أما الاستمرار في تغيير المدربين وتقديمهم كحل سحري، فلن يكون سوى محاولة جديدة لتجميل أزمة أعمق بكثير.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:هل نريد حقًا بناء كرة قدم تصنع المستقبل، أم أننا ما زلنا نبحث عن سائق جديد لقطار فقد سكته منذ سنوات؟

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram