ما قل ودل

حروب الجيل الخامس تفرض معادلة جديدة…الإعلام القوي يحتاج إلى إمكانات قوية

شارك المقال

لم يكن ظهور الصحافة الإلكترونية في الجزائر مجرد انتقال تقني من الورق إلى الشاشة، ولا مجرد ولادة منصات إخبارية تنافس الصحف التقليدية على القارئ والإعلان والسبق الصحفي. لقد تزامن هذا التحول مع تغير جذري في طبيعة الصراعات التي أصبحت تخاض في العالم، حيث لم تعد المعارك تُحسم فقط بالطائرات والصواريخ و المسّيرات والدبابات، وإنما أصبحت الكلمة والصورة والمعلومة والرواية التاريخية جزءاً من معادلة الصراع.

وفي هذا السياق، جاء ظهور عدد من المواقع الإلكترونية الجزائرية التي حملت، إلى جانب وظيفتها الإعلامية، هاجس الدفاع عن صورة الجزائر ومصالحها وذاكرتها الوطنية، وسط فضاء رقمي أصبح مفتوحاً أمام حملات التضليل، والأخبار الكاذبة، وإعادة كتابة التاريخ، ومحاولات التأثير في الرأي العام.

ومن بين هذه التجارب تبرز جريدة “المقال” الإلكترونية، التي لم تتعامل مع الإعلام الرقمي باعتباره مجرد منصة لنقل الأخبار، وإنما حاولت منذ بداياتها بناء خط تحريري يجمع بين الخبر والتحليل والتاريخ والدفاع عن الذاكرة الوطنية ومواجهة الروايات التي ترى أنها تستهدف الجزائرو باتت جزء لا يتجزأ من معركة الوعي التي تخاض حاليا.

من الصحافة التقليدية إلى ساحات الحرب الجديدة

لقد تغيرت وظيفة الصحفي بشكل كبير في عصر وسائل التواصل الاجتماعي, ففي السابق كان القارئ ينتظر الصحيفة يوم غذ أو نشرة الأخبار الرئيسية لمعرفة ما حدث، أما اليوم فقد يصل الخبر إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن المؤسسات الإعلامية من التحقق منه.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الصورة القديمة قابلة لإعادة التوظيف، والمعلومة المجتزأة قابلة للتحول إلى “حقيقة”، والتغريدة قادرة على صناعة أزمة دبلوماسية، والمقطع القصير قادراً على تغيير موقف آلاف الأشخاص.

ولهذا كتبت جريدة “المقال” في شهر ماي 2025 مقالاً بعنوان النت يحول الصحافة إلى سخافة…البلاجيـا عدوة الإعلام رقم واحد، و ربطت فيه بين تطور الإعلام الإلكتروني وحروب الجيل الخامس، وشددت على ضرورة أن يتحول الصحفي من مجرد ناقل للمعلومة إلى باحث قادر على تقصي الحقائق والرد على الأخبار الكاذبة بالدليل والبرهان.

وهنا تتضح إحدى الأفكار المركزية في تجربة الجريدة: الدفاع الإعلامي لا يعني نقل ما سبق نسخه، وإنما يعني امتلاك القدرة على إنتاج رواية إعلامية تستند إلى المعلومات والحجج والوثائق بطريقة تحليلية متميزة.

تجربة “المقال” مع حروب الجيل الخامس

لم يكن الحديث عن حروب الجيل الخامس بالنسبة إلى جريدة “المقال” موضوعاً طارئاً فرضته الأحداث الأخيرة، بل تحول إلى أحد الملفات التي خصصت لها الجريدة مساحة تحليلية.

ففي شهر ماي 2025 نشرت الجريدة مقالاً بعنوان حروب الجيل الخامس تبشر بحرب عالمية ثالثة…القوى الناعمة في خدمة الشرق والغرب”، تناول طبيعة الصراعات الحديثة، وانتقال المواجهة من الحروب التقليدية إلى توظيف القوى الناعمة والحرب الإلكترونية والتأثير في المجتمعات.

وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع كل تفاصيل التحليل الوارد في المقال، فإن أهم ما يكشفه هو أن الجريدة كانت تنظر إلى الإعلام باعتباره جزءاً من البيئة الاستراتيجية الجديدة، وليس مجرد قطاع مهني منفصل عن الأمن القومي والتحولات الجيوسياسية.

وهذه الرؤية تزداد أهمية عندما ندرك أن الإعلام الإلكتروني أصبح قادراً على التأثير في معركة لا تُرى بالعين المجردة: معركة الوعي.

عندما تحتاج الصحافة الإلكترونية إلى سلاح

في الحروب التقليدية، يحتاج الجيش إلى السلاح والذخيرة والجنود, أما في حرب المعلومات، فإن السلاح قد يكون معلومة صحيحة في الوقت المناسب، أو وثيقة تاريخية، أو صورة تكشف التلاعب، أو تحقيقاً يفكك رواية مضللة, دون نسيان توفير الدعم للجرائد الإلكترونية من أجل توظيف صحفيين أكفاء و تطوير المنصات لمسايرة حروب الجيل الخامس بوسائل عصرية حديثة.

فالجريدة لم تكتفِ بالملفات السياسية اليومية، بل خصصت مساحة واسعة للذاكرة الجزائرية والتاريخ الاستعماري، إدراكاً منها أن المعركة حول الجزائر لا تتعلق فقط بالحاضر، وإنما تمتد إلى الماضي أيضاً.

الدفاع عن الذاكرة…معركة من نوع آخر

من أبرز الملفات التي تظهر عند مراجعة أرشيف جريدة “المقال” ملف الذاكرة الوطنية.

ففي سنة 2026 نشرت الجريدة تحقيقاً بعنوان من سهول المتيجة إلى موائد فرنسا…كيف نهب الاستعمار خيرات الجزائر؟، تناول استغلال الموارد الجزائرية خلال الفترة الاستعمارية، مستنداً إلى مادة وثائقية تعود إلى سنة 1948.

وفي السنة نفسها نشرت الجريدة مقالاً حول المؤرخ الفرنسي ألان روسيو بعنوان إمبراطورية فرنسا صنعت نفسها فوق جماجم الجزائريين، تناول الجرائم الاستعمارية ومحاولات تقديم الاحتلال الفرنسي باعتباره مشروعاً حضارياً.

كما فتحت المقال مؤخرا ملفاً بالغ الحساسية حول “مقبرة الجزائريين المنفيين في جزيرة سانت مارغريت، مسّلطة الضوء على مصير الجزائريين الذين نُفوا خلال القرن التاسع عشر.

هذه المواد لا تمثل مجرد استذكار للماضي، وإنما تدخل في صميم معركة الذاكرة.

فالذي يسيطر على الرواية التاريخية يستطيع أن يؤثر في صورة الحاضر، ومن هنا فإن الدفاع عن الذاكرة ليس ترفاً ثقافياً، بل يمكن أن يصبح جزءاً من الأمن الثقافي والرمزي للدولة.

من نجم شمال إفريقيا إلى ثورة نوفمبر

لم تقتصر معالجة “المقال” للتاريخ بإسدال الستار على جرائم الاستعمار، بل امتدت إلى الحركة الوطنية ورموز المقاومة.

ففي شهر جوان 2026 نشرت الجريدة ملفاً بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس نجم شمال إفريقيا، مستحضرة دوره في تشكيل الوعي السياسي المنظم المطالب بالاستقلال.

كما تناولت شخصيات وقضايا أقل حضوراً في الإعلام التقليدي، من بينها قصة الملاكم الجزائري شريف حامية، الذي قدمته الجريدة باعتباره نموذجاً لرياضي جعل الانتماء الوطني فوق المجد الرياضي, و تخلى عن اللقب العالمي لكي لا يرفع علم فرنسا خلال فترة ثورة التحرير المباركة.

وفي مادة أخرى، استحضرت الجريدة تجربة فيرناند إيفتون، الأوروبي الذي اختار الانضمام إلى الثورة الجزائرية ودفع حياته ثمناً لموقفه.

دون نسيان التطرق لعملية الهجوم على البريد المركزي في وهران و تسليط الضوء على من خطط و نفذ لهذه العملية التي كانت النواة الأولى لثورة أول نوفمبر المباركة.

وهكذا يصبح التاريخ في تجربة “المقال” مادة إعلامية حية، لا مجرد مناسبات موسمية.

وهران أيضاً في قلب الذاكرة

احتلت ذاكرة وهران مساحة خاصة في إنتاج الجريدة باعتبارها مدينة عانت من ويلات الاحتلال الإسباني لما ينيف عن ثلاث قرون دون نسيان الاستعمار الفرنسي, فقد تناولت المقال تاريخ استعادة وهران من الاحتلال الإسباني، مستحضرة مرحلة طويلة من المقاومة و تقديم الشهداء على مذبح الحرية و دور الباي محمد بن عثمان الكبير في تحريرها.

كما عادت إلى أحداث الأيام الأخيرة للاستعمار الفرنسي في المدينة، من خلال مادة حول الهجوم الذي استهدف ميناء وهران في 25 جوان 1962، في واحدة من حلقات سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها منظمة الجيش السري الفرنسية قبيل الاستقلال.

إن اختيار هذه الملفات يعني أن الدفاع عن الجزائر في الإعلام لا يُختزل في السياسة الخارجية، وإنما يبدأ أيضاً من تعريف الجزائري بتاريخه ومدنه ورموزه وشخصياته.

السيادة الرقمية…عندما يصبح الأمن الإلكتروني قضية وطنية

أدركت “المقال” مبكراً أن الدفاع عن الدولة في العصر الرقمي لا يمكن أن يتم من خلال المقال السياسي وحده.

ولهذا خصصت الجريدة مساحة للأمن السيبراني، ومن ذلك مقال تداعيات الهجوم السيبراني على إيران…نحو إعادة حسابات السيادة الرقمية للدول، الذي دعا إلى إعادة التفكير في السيادة الرقمية وحماية الفضاء الإلكتروني الوطني.

كما تابعت الجريدة في جوان 2025 ندوة علمية حول الوقاية من الجرائم السيبرانية، تناولت أمن المعلومات والحرب على العقول والعوامل الاجتماعية التي تجعل الأفراد ضحايا لمخاطر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا تنتقل المسألة من مفهوم “الإعلام المدافع” إلى مفهوم أكثر حداثة: الإعلام الذي يساهم في بناء المناعة الرقمية للمجتمع.

المقال في مواجهة الروايات المضادة حول الجزائر

في عالم شديد الاستقطاب، أصبحت الجزائر موضوعاً للعديد من الروايات المتضاربة، سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو العلاقات مع فرنسا أو الجوار المغاربي أو القضايا الإفريقية أو فلسطين أو الطاقة والسياسة الخارجية.

وفي هذا المجال، تبنت “المقال” خطاً تحريرياً واضحاً في تناول الملفات التي تعتبرها مرتبطة بالمصلحة الوطنية.

فقد خصصت مواد متعددة للعلاقات الجزائرية الفرنسية، ولتاريخ الاستعمار، كما تناولت التطورات المرتبطة حول التطبيع و ما تمارسه بعض الكيانات من وساخة، وهي موضوعات تظهر في أرشيف الجريدة بوضوح حملت وسم “التطبيع خيانة”.

وقد يختلف القراء في تقييم بعض العناوين أو المواقف أو زوايا المعالجة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الجريدة اختارت الدخول في قلب الملفات التي تشكل جزءاً من النقاش الجيوسياسي حول الجزائر.

الإعلام الثوري…النموذج الذي استلهمته “المقال”

لفهم فلسفة “المقال”، ربما يكون من المفيد العودة إلى أحد المقالات التي نشرتها الجريدة نفسها بعنوان الإعلام في خدمة الثورة الجزائرية…صوت الحرية ومحرك الوعي الوطني.

تستحضر المادة كيف أدرك قادة الثورة التحريرية أهمية الإعلام باعتباره سلاحاً مكملاً للكفاح المسلح، لنقل صوت الثورة وكشف جرائم الاستعمار وتفنيد دعايته.

وهنا تبدو الصلة واضحة في الرؤية التحريرية للجريدة: الأمس كانت المعركة على المذياع والمنشور والصحيفة الثورية، واليوم أصبحت المعركة على الموقع الإلكتروني ومنصات التواصل ومقاطع الفيديو ومحركات البحث.

لكن الأداة تغيرت، بينما بقيت قاعدة واحدة: من يملك القدرة على إنتاج الرواية يستطيع أن يؤثر في الوعي.

فلسطين…الإعلام الجزائري يتجاوز الحدود

لم تحصر “المقال” اهتمامها بالقضايا الجزائرية الداخلية, ففي ماي 2025 نشرت الجريدة نداءً حول الاعتداء على حوش الشهابي في القدس، وخصصت المادة لعرض المخاوف المتعلقة بالإرث التاريخي المحيط بالمسجد الأقصى، ونقلت دعوة للتدخل الدولي لحماية الموقع.

وهنا تظهر إحدى خصائص الإعلام الإلكتروني قدرته على جعل القضية المحلية ذات امتداد دولي، وإيصال صوت صاحب القضية إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية.

ليست كل معركة بحاجة إلى صاروخ

في القرن الحادي والعشرين، قد يكون الصاروخ أحياناً أقل تأثيراً من رواية إعلامية تنتشر في ملايين الهواتف.

قد يحتاج الصاروخ إلى دقائق للوصول إلى هدفه، بينما تحتاج المعلومة المضللة إلى ثوانٍ فقط للوصول إلى ملايين العقول.

ولهذا فإن الصحافة الإلكترونية الوطنية مطالبة بأن تكون سريعة، ولكن ليس على حساب الدقة؛ وطنية، ولكن ليس على حساب المهنية؛ مدافعة عن البلد، ولكن ليس عبر اختلاق الوقائع؛ وقادرة على الرد، ولكن بالحجة والوثيقة.

وهذه المعادلة هي التي ينبغي أن تتحول إلى عقيدة مهنية جديدة للإعلام الجزائري.

“المقال”…تجربة بإمكانات محدودة وطموح يتجاوز الإمكانات

من خلال أرشيف الجريدة، يمكن ملاحظة أن تجربة “المقال” لم تتوقف عند الأخبار اليومية، وإنما حاولت بناء شبكة واسعة من الملفات: التاريخ والذاكرة، الاستعمار، الهوية، الدين، الأمن السيبراني، الجغرافيا السياسية، الرياضة، الثقافة، الجزائر في محيطها المغاربي والإفريقي والدولي.

كما أن الجريدة فتحت صفحاتها لشخصيات أكاديمية وفكرية ورياضية وسياسية، ومن بينها حوارات وملفات مع شخصيات جزائرية مختلفة.

وفي المجال الديني والثقافي، خصصت الجريدة مواداً لاستحضار علماء الجزائر وتراثها العلمي، من بينها ملف حول الشيخ الأطرش السنوسي، ومادة حول المرجعية الدينية الجزائرية.

وهكذا يصبح المشروع الإعلامي أوسع من فكرة “موقع إخباري”, بل إنه محاولة لبناء منصة ذاكرة ورأي وتحليل وتوثيق.

حروب الجيل الخامس لا تُخاض بالكلمات وحدها

لكن كل هذا يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن مطالبة الإعلام الإلكتروني بأن يخوض معركة المعلومات دون توفير الأدوات اللازمة؟

كيف يمكن مطالبة الصحفي بالتحقق من الوثائق، وإنتاج التحقيقات، و إعداد الروبورتاجات، ومتابعة المنصات، ومواجهة الأخبار الكاذبة، وتحليل الخطاب الجيوسياسي، ثم مطالبته في الوقت نفسه بالعمل بإمكانات معدومة؟

في الحرب التقليدية لا يمكن مطالبة الجيش بالانتصار من دون سلاح.

كذلك في الحرب الإعلامية لا يمكن مطالبة الصحفي بالانتصار في معركة المعلومات من دون موارد.

المعدات، الاشتراكات في قواعد البيانات، الأرشيفات، تقنيات التحقق من الصور والفيديوهات، أدوات تحليل البيانات، فرق التصوير والمونتاج، التكوين المستمر، الأمن الرقمي، التحقيق الصحفي، والمراسلون المتخصصون؛ كلها أصبحت اليوم جزءاً من عتاد الصحافة الحديثة.

من “المجاهد” إلى “حارس الذاكرة”

لا تحتاج الجزائر اليوم إلى استنساخ نموذج الماضي، لأن لكل مرحلة أدواتها.

لكنها تحتاج إلى استلهام الروح التي جعلت أبناء الثورة يؤمنون بأن الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية.

فإذا كان مجاهد الأمس يحمل البندقية دفاعاً عن الأرض، فإن صحفي اليوم يحمل القلم والكاميرا والوثيقة والحاسوب دفاعاً عن الحقيقة والذاكرة والوعي.

والتشبيه هنا ليس في مستوى التضحية أو طبيعة المهام، وإنما في تحمل المسؤولية الوطنية كل وفق أدوات عصره.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تجربة “المقال” باعتبارها تجربة إعلامية حاولت أن تجعل من الصحافة الإلكترونية مساحة للدفاع عن الرواية الجزائرية في ملفات ترى أنها مستهدفة أو معرضة للتشويه.

من الدفاع العفوي إلى استراتيجية وطنية

لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى أكثر من المبادرات الفردية, فالجزائر بحاجة إلى استراتيجية وطنية لدعم الإعلام الرقمي المهني القادر على العمل في بيئة الحروب الهجينة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية الصحفي واحترام أخلاقيات المهنة والقانون.

المطلوب ليس “جيوشاً إلكترونية” بالمعنى الذي قد يحيل إلى الحسابات الوهمية أو الحملات المنسقة أو التلاعب بالرأي العام.

المطلوب هو جيوش من الصحفيين والباحثين والمحققين وصناع المحتوى المهنيين الأكادميين خريجو الجامعة الجزائرية الذين يستطيعون إنتاج المعلومة الصحيحة بسرعة، والتحقق من الأخبار، وتفنيد الادعاءات الكاذبة، واستعمال الوثائق والأرشيف، وإيصال الرواية الجزائرية إلى العالم بلغاته المختلفة.

وهنا يمكن أن تتحول تجربة “المقال” و غيرها من المنصات الرقمية من مجرد تجربة إعلامية محدودة الإمكانات إلى نموذج قابل للتطوير إذا وجدت البيئة المهنية والمادية والتكنولوجية المناسبة.

الجزائر تحتاج إلى إعلام قوي بقدر حاجتها إلى دفاع قوي

في النهاية، لا يمكن حماية الجزائر في القرن الحادي والعشرين بالسلاح وحده.

الدولة القوية تحتاج إلى جيش قوي، واقتصاد قوي، ودبلوماسية قوية، وأمن سيبراني قوي، وإعلام قوي.

الإعلام ليس بديلاً عن المؤسسات الأمنية والعسكرية، لكنه يستطيع أن يحمي جبهة أخرى لا تقل أهمية: جبهة الوعي و الحفاظ على الذاكرة.

فعندما تُستهدف هوية الشعوب، وتُعاد كتابة تاريخها، وتُضخ الأخبار الكاذبة داخل مجتمعاتها، وتُستخدم شبكات التواصل لتأليب فئاتها على بعضها البعض، تصبح الصحافة المهنية جزءاً من منظومة المناعة الوطنية.

ومن هنا يمكن قراءة مسيرة “المقال” باعتبارها تجربة حاولت، بإمكانات متواضعة، أن تدخل هذه المعركة من بابها الإعلامي: بالمقال، والروبورتاج، والحوار، والتحقيق، والوثيقة، واستحضار التاريخ، وتحليل الجغرافيا السياسية، ومواجهة الروايات التي تراها مضللة أو معادية للمصلحة الوطنية.

لقد تغيرت أدوات الحرب, فلم تعد المعركة دائماً على الحدود, فمعظم الأوقات تبدأ من شاشة هاتف.

ولم يعد احتلال الأرض وحده هو الخطر؛ فهناك أيضاً محاولة احتلال الذاكرة، وتشويه التاريخ، واختطاف الوعي.

ولهذا فإن الصحافة الإلكترونية الجزائرية مطالبة اليوم بأن تنتقل من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الاستباق، ومن انتظار الخبر إلى صناعة المعرفة، ومن الدفاع العاطفي عن الجزائر إلى الدفاع المهني القائم على الوثيقة والحجة.

وفي هذا المسار، تبقى تجربة “المقال” واحدة من التجارب التي اختارت أن تجعل من منصتها الرقمية أكثر من مجرد موقع ينشر الأخبار؛ اختارت أن تكون، وفق فلسفتها التحريرية، مظلة إعلامية تحاول حماية الرواية الجزائرية في فضاء رقمي لا يرحم.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram