ما قل ودل

خبرة المظليين الفرنسيين تنحني أمام استبسال المجاهدين…قبور الشهداء لا تزال تحرس منطقة مذاغ

منظر لقوات المظليين التي طوقت مكان المجاهدين بمنطقة مذاغ

شارك المقال

تعرف منطقة مذاغ و البرج الأبيض على أنهما منطقتان سياحيتان بامتياز في الناحية الغربية لولاية وهران,لكن بصرف النظر عن مناظرها الخلّابة و غاباتها العذراء,و شواطئها المائلة إلى الصفرة الذهبية التي تتزاوج مع أمواج البحر الزرقاء,تبقى معركة مذاغ هي أم المعارك التي قاوم من خلالها المجاهدون في جيش التحرير فلول المظليين الفرنسيين,الذين وضعوا خبرتهم جانبا في تلك المعركة و تعلموا فنون القتال بالسلاح أو بدونه من لدن المجاهدين و الشهداء الأبطال.

و أنت هام بدخول شاطئ مذاغ قبل ولوجك إلى قرية عين الكرمة,و قبلها قرية عين تاسة,و هي إحدى البلديات التابعة إداريا لدائرة بوتليليس التي تبعد عن مدينة وهران بحوالي 35 كلم غربا,تصادفك قبور الشهداء الذين قضوا في معركة مذاغ,حيث تسيطر على المكان هيبة تجعل من قوافل السوّاح تطفئ المذياع و توقف صخب الموسيقى و منهم من ينحني إجلالا لهؤلاء الشهداء.

فرغم أن الجميع لا يعرف ما جرى خلال المعركة,إلا أنك عندما تسمعها من أفواه من عايشوها يزيد احترامك لقوافل الشهداء,الذين قضوا و أملهم أن نعيش نحن و أولادنا عيشة الكرماء.

فالمتّأمل لكلام المرحوم “السي جيلالي ألبو” الذي سمعت عنه شخصيا مجريات هذه المعركة المقّدسة تنحني خجلا أمام أرواح من ضّحوا بالنفس و النفيس لكي يعلو علم الجزائر عاليا.

فالمرحوم عمي الجيلالي ألبو,عندما يتذّكر ملحمة معركة مذاغ تفيض عيناه من الدمع للمواقف الرجولية و البطولية التي صدرت من هؤلاء الأشاوس الأبطال.

حيث يقول الشاهد على هاته العملية العسكرية,أن أرمادة مجاهدين كثيرة و كثيفة العدد كانت تعسكر في تلك الناحية,حيث كانت كتائب المجاهدين على موعد من كل النواحي,أين كان الغرض الإجتماع في منطقة مذاغ.

فبدأ توافد قوافل المجاهدين بتاريخ 19 جوان 1956,و يبدو أن الوشاية فعلت فعلتها للتضييق على اجتماع هؤلاء الأشاوس,حيث في ذات التاريخ قام جنود الفرقة السابعة للجيش الفرنسي بعملية تمشيط شاملة للناحية,لكنهم سقطوا في كمين بمضيق واد مداغ منصوب من طرف كتيبة جيش التحرير الوطني,وهذا المضيق يبعد عن وهران بحوالي 45 كلم .

و في الساعات الأولى من يوم 19 جوان مثلما جاء في شهادة الرائد السي بلحسن المكتوبة و الذي قاد المعركة, أوكلت للمجاهدين مهمة مواجهة الفرقة السابعة,أين تقدمت الوحدات السابعة والتسعون من رواد المضليين التابعين للفوج 02 /92 واثنين من المدّرعات التابعة للقوة العاشرة معتمدين على الكموندوس البحرية بمنطقة أرزيو وفرقتين من قوات ( زوف ) بمقاطعة وهران نحو منطقة سيدي بختي,بوزجار و الرأس الأبيض.

وعند الساعة السابعة والنصف سقط الفريق 97 من الرواد المظليين الذين تواجدوا بمنطقة سيدي بختي وبجبل ترونيت في مضيق واد مداغ,حيث أخذ المجاهدون مكان لهم فبفضل تحصينهم الجيد والعتاد الكامل ، تمكن المجاهدون من قيادة المعركة بكل قوة ونجاح.

و هنا أثبت المجاهدون بسالة منقطعة النظير في القتال المسّلح و كذا الإنتحاري رجل لرجل,و كانت الغلبة لكتائب المجاهدين.

و يقول المرحوم عمي الجيلالي ألبو,أن المعركة تطورت حتى انتقلت من الجو و الأرض إلى قصف من البوارج البحرية من ساحل شاطئي البرج الأبيض و كذا مذاغ.

و حصلت هنا خلال ذات المعركة و أن نودي في صفوف الثوار عن من يبايعون على الموت,أي من يحمي ظهور المجاهدين المنسحبين نظرا لكثافة قوات العدو,و ترسانته البحرية و الجوية و كذا البرية التي تفوق بها.

و في لحظة تشبه أيام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم و في مشهد الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل خلال معركة اليرموك التي بايع فيها على الموت و استشهد خلالها أمام آلاف مؤلفة من الروم,بايع بعض من هؤلاء الأشاوس على الموت بنفس الطريقة,على أن ينسحب بقايا المجاهدين نحو الضّفة الأخرى للحفاظ على الهيبة العسكرية في الغرب الوهراني.

فتسّلح هؤلاء الشهداء بكل ما أوتيوا من قوة بأسلحة زملائهم الذين ودّعوهم وداع الشهداء,واستطاعوا رغم طلقات المدفعية ورشاشات العساكر الفرنسية الوقوف الند للند أمام تسلل رفقائهم في الجهة المقابلة ,حتى أضحوا في وسط الغابات الكثيفة في مأمن من القوات الفرنسية الجرّارة.

و دامت تلك المعركة حتى حلول الظلام,وفي اليوم التالي 20 جوان وصلت قوات الدراقون العاشر وفرقتين من مشاة الفوج الخامس مزودة بعتاد حربي 18 طن قادمة من تلمسان نحو واد مداغ,وفي حين الوحدات السبعة والتسعون من الرواد المضلين والفوج 02/21 والعاشرة حاولوا ملاحقة أفراد جيش التحرير الوطني بقمم جبل أكحل.

وجدوا أنفسهم تحت نيران بنادق المجاهدين الأشاوس,المعركة كادت أن تبقى مشتعلة حتى قروب الشمس لولا تدخل كتيبة أخرى من المجاهدين في الوقت المناسب حتى تم السماح بالانسحاب الآمن لجميع الثوار.

لتبقى قبور الشهداء بمقربة شاطئ مذاغ تذّكر كل من يمّر بقربها بمدى استعداد الجزائري,في أي مكان أو زمان للتضحية بنفسه في سبيل إعلاء رايته الواحدة الموحدة,من أجل إعلاء كلمة الله أكبر فوق كل من طغى و تجّبر…المجد و الخلود للشهداء الأبرار.

يتبع

تحت مسّمى خرج و لم يعد…”OAS” تفجع العائلات الوهرانية في أبنائها

 

المصدر: مقتطفات من كتاب الثورة بعيون اشبالها

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram